عام مرّ على إنشاء موقع «القصة».
صحيح أنني لم أبدأ معهم الخطوة الأولى، والتحقت بالموقع بعد شهرين من تأسيسه، إلا أنني كنت شاهدة على كل لحظة مرت به.. لحظات النجاح، والضغط، والفرح، والقلق، وحتى لحظات الشد والجذب التي لا يخلو منها أي مكان عمل.
لكن «القصة» بالنسبة لي لم تكن يومًا مجرد مكان للعمل.
هنا التقيت أصدقاءً وإخوة، وليس مجرد زملاء عمل، وبرغم لحظات الاختلاف والشد والجذب التي دائمًا ما تكون بيننا، فإننا في النهاية يظل بيننا كل الود والاحترام، وربما هذا تحديدًا ما جعلني أشعر أنني جزء من المكان وليس مجرد شخص يعمل بداخله.
في البداية، جئت محررة داخل القسم السياسي، على وعد من مدير التحرير بأنني بعد شهرين سأكون رئيسة للقسم.
كنت أرى في ذلك فرصة جيدة لي وللاسم الذي كنت أحاول أن أبنيه لنفسي، خصوصًا أنني التحقت بالموقع في وقت كانت فيه السياسة في واحدة من أكثر لحظاتها ازدحامًا مع انتخابات مجلس النواب.
لم أكن ألحق على الشغل.
أفكار، وأخبار، واتصالات، ومتابعات، وملفات.. حتى كنا أحيانًا نكتشف أن الليل انتهى وأننا ما زلنا نعمل.
كانت أيامًا طويلة، لكنها مرت.. وانتهت الانتخابات، وبقيت محررة في القسم السياسي.
وهنا بدأت مرحلة مختلفة تمامًا.
لم يعد المطلوب فقط أن أكتب ما يحدث، وإنما أن أبحث كل يوم عما يمكن أن نكتبه بشكل مختلف.
كنت أشعر أحيانًا أنني إذا قدمت فكرتين فقط في اليوم فأنا مقصرة.
كنت أبحث عن زاوية جديدة، وعن سؤال مختلف، وعن موضوع يمكن أن يجعل القارئ يتوقف قليلًا أمامه، بدلًا من أن يمر عليه مثل عشرات الأخبار التي يراها كل يوم.
وفي الوقت نفسه، كانت هذه السنة هي نهاية رحلتي التعليمية.
بجانب العمل، كنت أحضر المحاضرات، وأحاول إنجاز مشروع تخرجي، وأحاول أن أوازن بين العمل والدراسة، كما كنت أفعل طوال السنوات الأربع السابقة.
لم تكن الموازنة سهلة.
كانت هناك أيام أذهب فيها من الجامعة إلى العمل، وأيام أخرى أعمل فيها وأنا أفكر في موعد تسليم جزء من مشروع التخرج، لكنني في النهاية كنت أريد أن أنهي الاثنين معًا.. دون أن أتنازل عن أي منهما.
وخلال هذه الفترة، كنت دائمًا أحظى بتقدير وإشادة من رئيس التحرير، الأستاذ عمرو بدر.
كانت كلماته بالنسبة لي أكثر من مجرد إشادة عابرة.
كانت تعطيني دافعًا للاستمرار، وتشعرني أن المجهود الذي أبذله يراه أحد، حتى في الأيام التي كنت أشعر فيها أنني لا أفعل ما يكفي.
لكن جاءت لحظة أخفقت فيها قليلًا.
وفوجئت بتعيين رئيس جديد للقسم السياسي.. ليس أنا، وإنما شخص من خارج المكان.
لا أنكر أنني حزنت حزنًا شديدًا.
ربما لأنني لم أكن حزينة على منصب فقط، بقدر ما كنت حزينة على حلم كنت أراه قريبًا مني، ثم وجدته فجأة يبتعد.
في تلك اللحظة، فكرت في ترك العمل.
قلت لنفسي: ربما كان كل ما تخيلته مجرد سراب، وربما سأظل في مكاني كما أنا، بينما يأتي شخص آخر ويأخذ الفرصة التي كنت أنتظرها.
تواصلت مع الأستاذ عمرو بدر، وتحدثت معه بصراحة عن حزني وأسفي مما حدث.
استمع إليّ، وشرح لي الأسباب، وبصراحة اقتنعت بكلامه.
الأهم أنه وعدني بأنه سيعطيني فرصة أخرى.
وبالفعل..
بعد ثلاثة أشهر، أصبحت رئيسة قسم السياسة.
وفجأة وجدت نفسي أمام مسؤولية أكبر، ورئيسة لقسم أنا أصغر شخص فيه.
وهنا اكتشفت أن الوصول إلى المنصب كان أسهل كثيرًا من أن تعرف ماذا تفعل بعدما تصل إليه.
أن تكون محررة يعني أن تكون مسئولة في المقام الأول عن شغلك.
أما أن تكون رئيسة قسم، فمسؤوليتك لم تعد تخصك وحدك.
أصبحت أفكر في شغل القسم كله، في أفكار الزملاء، وفي مستوى ما نقدمه، وفي الأخطاء التي يجب ألا تتكرر.
وأصبحت أعرف أن القرار الذي قد أراه بسيطًا، قد يكون بالنسبة لزميل آخر أمرًا مهمًا.
تعلمت من أستاذ عمرو أن رئيس القسم ليس الشخص الذي يعرف كل شيء.
بل الشخص الذي يعرف متى يسأل، ومتى يسمع، ومتى يتدخل، ومتى يترك للصحفي مساحة يجرب فيها ويخطئ ويتعلم.
وتعلمت أن الإدارة ليست أوامر، هي مسؤولية.
وأنك أحيانًا تحتاج إلى أن تكون حازمًا، وأحيانًا تحتاج إلى أن تكون صديقًا، والأصعب أن تعرف متى تكون هذا ومتى تكون ذاك
لكن هذه السنة لم تكن كلها شغلًا ونجاحات وأحلامًا تحققت.
من فترة قصيرة، مررت بواحدة من أصعب فتراتها.
أصابني اكتئاب، وشعرت أنني لم أعد قادرة على الاستمرار بنفس الطاقة التي اعتدت أن أعمل بها، ولأول مرة منذ بدأت العمل، في حياتي قررت أن أبتعد عن كل شيء، وتركت الشغل لمدة أسبوع.
أسبوع واحد فقط، لكنه جعلني أفكر في أشياء كثيرة.
فكرت في الشغل، وفي الضغط، وفي المسئولية، وفي نفسي قبل كل شيء.
واكتشفت أن الإنسان مهما كان شغوفًا بما يفعله، يظل إنسانًا.. له طاقة تنفد، وله لحظات يحتاج فيها أن يتوقف قليلًا حتى يستطيع أن يكمل.
وبعد أسبوع رجعت.
رجعت إلى «القصة»، وإلى القسم، وإلى شغلي، لكن ربما لم أرجع بنفس الشخص الذي خرج منذ أسبوع.
رجعت وأنا أفهم نفسي أكثر، وأعرف أن الاستمرار لا يعني أن نظل أقوياء طوال الوقت، وإنما أن نعرف متى نحتاج إلى أن نتوقف، ثم نقرر أن نكمل.
وكانت هذه أيضًا واحدة من أهم دروس السنة..
أن النجاح ليس أن لا تقع، ولا أن تمر السنة كلها وأنت في أفضل حالاتك، وإنما أن تقع وتتعلم وتعود، دون أن تفقد رغبتك في المحاولة.
وبعد عام من «القصة»، أستطيع أن أقول إنني لم أشهد فقط سنة من عمر الموقع..
بل عشت سنة من عمري أنا أيضًا.
دخلت المكان محررة، واليوم، بعد عام كامل، أحمل مسئولية قسم كامل.
وبين البداية والنهاية، كانت هناك ساعات عمل طويلة، وأفكار لم تكتمل، وموضوعات نجحت، وأخرى لم تنجح، لحظات فرح، وأخرى فكرت فيها فعلًا في الرحيل، وأشخاص جعلوا الطريق أسهل، وآخرون اختلفت معهم لكنني تعلمت منهم.
وربما هذا هو الشيء الذي أحبه في «القصة».. أنها لم تكن بالنسبة لي سنة عمل فقط.
كانت سنة كاملة من التعلم، والنضج، واختبار نفسي، واكتشاف أن الطريق المهني لا يسير دائمًا كما نخطط له.
أحيانًا تتأخر الفرصة..
وأحيانًا تذهب لشخص آخر..
وأحيانًا تظن أن الحلم انتهى، ثم تكتشف أنه كان يحتاج فقط إلى ثلاثة أشهر إضافية.
عام على «القصة»..
وعام على حكاية بدأت فيها كمحررة، وانتهت بي رئيسة لقسم السياسة.
ولا أعرف ماذا يحمل العام القادم، لكنني أعرف شيئًا واحدًا..
أنني ما زلت أريد أن أتعلم، وأن أكتب، وأن أكون أفضل، وأن أترك في كل مكان أمر به شيئًا يشبهني.
كل سنة و«القصة» وأهلها بخير..
وكل سنة وأنا ممتنة أنني كنت جزءًا من هذه الحكاية.