ما يحدث داخل التأمين الصحي يعكس أزمة هيكلية عميقة تعصف بمنظومة التأمين الصحي في محافظة المنوفية.
حيث تتحول رحلة العلاج، التي يفترض أن تكون سندًا للمواطن البسيط، إلى يوم ضائع من المعاناة والإرهاق.
ولا تقتصر الأزمة على المريض وحده، الذي يقع ضحية للزحام، ونقص الأدوية، واضطراره إلى شراء العلاج على نفقته الخاصة.
بل تمتد لتكشف عن حلقة مفرغة من الأعطال التقنية المتكررة في النظام الإلكتروني «السيستم»، ونقص حاد في الكوادر الإدارية والطبية.
وتتجسد جذور المشكلة الإدارية في هشاشة منظومة التعاقدات، وهوان المقابل المادي للأطباء.
ومن خلال هذا التقرير نرصد «صراع الشبابيك» بين شكوى المرضى، ومعاناة الموظفين من السيستم، واعتراف الأطباء بهروب زملائهم بسبب «التعاقدات الهزيلة».
يوم ضائع وواسطة وإرهاق.. والنهاية شراء العلاج على النفقة الخاصة
مشهد متكرر أمام عيادات التأمين الصحي بالمنوفية، طوابير منذ الفجر، ويوم ضائع، وفي النهاية «العلاج ناقص».
يقول المريض إبراهيم خالد، مريض ضغط: «باجي من الساعة 7 الصبح، وبقضي اليوم كله من شباك لشباك، ومن ختم لختم، والدكاترة شغالة بمزاجها، محدش بيحاسبهم، ممكن أقعد بالساعات، وفي الآخر الدكتور يعتذر وما يجيش، طب يرضى مين الكلام ده؟».
وأضاف المريض أحمد الغول: «بنزهق وبنتعالج على حسابنا، مفيش استفادة من التأمين، بدوخ عقبال ما بصرف العلاج، وختم من هنا، وموافقة من هناك، ودوخة ومرمطة بين الفروع والمكاتب، وفي الآخر يدوني بدايل، أو أجيب العلاج على حسابي، واللي ملوش واسطة بيطلع عينه علشان يقدر ياخد جزء بسيط من حقه».
السيستم معطل بالساعات.. ونقص موظفين وأطباء
وفي المقابل، قالت الدكتورة مروة فاروق، مديرة فروع التأمين الصحي بأشمون في المنوفية، لـ«القصة»: «عندنا نقص في عدد الموظفين، ده غير إن السيستم بيقع كل شوية بالساعات، ودي حاجة خارجة عن إرادتنا، وده اللي بيعمل تكدس قدام الشبابيك».
وأضافت: «المشكلة الأكبر في نقص عدد الأطباء، معظمهم متعاقدون، وبييجوا بمزاجهم، محدش يقدر يلزمهم بالحضور، ده غير إن عدد الحالات كبير جدًا، وده عامل ضغط رهيب على الفرع كله».
أزمة التعاقدات وهروب الأطباء
وقال الدكتور إسلام حمدي، طبيب متعاقد: «التعاقد بـ20 جنيهًا، ويصل إلى 35 جنيهًا للاستشاري، وده حرام، مع عدد الحالات الرهيب ده مفيش أي احترام لمكانة ولا لمهنة الطبيب، وإحنا في الأول والآخر بشر، منقدرش نستحمل كل ده، عشان كده معظم الدكاترة بترفض تتعاقد».
ومن جهته، قال الدكتور أحمد القرش، نقيب أطباء المنوفية، لـ«القصة»: «النقابة، بكل أسف، ما لهاش سلطة على الهيئات الأخرى، إحنا نقابة خدمية، وبنتعامل مع الجهات الأخرى بطرق ودية، إنما ما نقدرش نلزمهم يغيروا أي حاجة أو نتدخل في الشأن الداخلي بتاعهم».
الصيدليات.. رفوف فارغة وقرارات تحويل معقدة
قال الدكتور أحمد الشافعي، صيدلي بإحدى عيادات التأمين الصحي: «عندنا نقص جامد في معظم الأدوية، بنطلب الطلبيات ومعظمها بيجي ناقص، وجالنا قرار إننا ما نحوّلش لصيدليات متعاقدة مع التأمين غير حالات معينة بس، أما باقي الحالات، يا بنرجعها للدكتور يغير العلاج، يا المريض يشتري العلاج على حسابه».
أين الحقيقة؟
وبين يوم ضائع للمواطن، وسيستم واقع للموظف، وتعاقد مهين للطبيب، ودواء ناقص للصيدلي، يبقى السؤال: متى يتحول التأمين الصحي من «عبء» على المريض إلى «حق» يكفله له القانون؟