في عالم تحكمه المصالح أكثر مما تحكمه الشعارات، لا تقاس المفاوضات الكبرى بمن يرفع راية النصر أو يعترف بالهزيمة، بل بما يستطيع كل طرف انتزاعه من مكاسب وتجنبه من خسائر، ومن هذا المنطلق تعود المفاوضات بين واشنطن وطهران إلى الواجهة، بعد سنوات من العقوبات والضغوط والتصعيد المتبادل، في محاولة لإيجاد صيغة توازن جديدة تضمن الحد الأدنى من مصالح الطرفين، وبين حسابات الأمن الاقتصادية، وتعقيدات الملف النووي وتشابكات المشهد الإقليمي، تبدو هذه الجولة من المحادثات أقرب إلى عملية إعادة ترتيب للأوراق منها إلى تسوية نهائية للصراع الممتد منذ عقود، وفي هذا السياق، قال الدكتور علاء السعيد، الخبير في الشأن الإيراني، في تصريحات لـ “القصة”: “إن العودة إلى المفاوضات لا تعكس انتصارا لطرف على حساب الآخر، بل تعبر عن إدراك متبادل بأن استمرار الصراع المفتوح أصبح أكثر كلفة من الجلوس إلى طاولة الحوار”، وأضاف السعيد في شهادته أن الولايات المتحدة، رغم ما تمتلكه من أدوات ضغط سياسية واقتصادية عسكرية، لم تتمكن من دفع إيران إلى التخلي الكامل عن برنامجها النووي أو تغيير سياساتها الإقليمية بالشكل الذي كانت تطمح إليه، وتابع الخبير الإيراني موضحا الأبعاد الميدانية بأنه في المقابل لم تنجح إيران في تحويل سياسة الصمود والمواجهة إلى مكاسب اقتصادية حقيقية تخفف من وطأة العقوبات والأزمات الداخلية، مما جعل التفاوض خيارا عمليا للطرفين في مواجهة حالة الاستنزاف المستمرة.
ضغوط الاقتصاد والإقليم .. عوامل مشتركة تعيد رسم الحسابات السياسية لطهران
وأوضح الدكتور علاء السعيد أن العقوبات الاقتصادية لعبت دورا مهما في دفع طهران إلى استئناف المحادثات، بعدما تركت آثارا عميقة على الاقتصاد الإيراني ومستويات المعيشة والاستثمار والنمو، لكنه أشار إلى أن اختزال القرار الإيراني في العامل الاقتصادي وحده يعد قراءة غير مكتملة للمشهد، لكون التحركات الأخيرة ترتبط بملفات أمنية معقدة وممتدة في عمق المنطقة، فالتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من أزمات وصراعات وحروب، دفعت مختلف القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة تقييم مواقفها والبحث عن قدر من الاستقرار النسبي، حتى وإن كان مؤقتا، بما يخدم مصالحها ويحد من مخاطر التصعيد العسكري في الإقليم المشتعل، مما يؤكد أن الدوافع وراء الجلوس على طاولة المفاوضات تتجاوز الأبعاد المادية المباشرة لتشمل رغبة حقيقية من كافة الأطراف في تجنب الصدامات الكبرى وتأمين المسارات السياسية بعيدة المدى لجميع القوى المعنية بملفات الشرق الأوسط العالقة.
أوراق القوة والمناورة .. حدود التنازلات الفنية ومساعي واشنطن لتأمين الحلفاء
وأضاف السعيد أن إيران تمتلك أوراقا تفاوضية مهمة، أبرزها برنامجها النووي المتقدم نسبيا، ونفوذها الإقليمي، وخبرتها الطويلة في التعامل مع العقوبات والأزمات، إلا أن هذه الأوراق تمنحها القدرة على تحسين شروط التفاوض، وليس فرض إرادتها بالكامل على الولايات المتحدة، وفي المقابل، تدخل واشنطن المفاوضات بهدف الحد من تطور البرنامج النووي الإيراني، والحفاظ على قدر من الاستقرار الإقليمي، وتأمين مصالحها وحلفائها في المنطقة لتفادي اشتعال مواجهات مباشرة جديدة، ومن المتوقع أن تقدم طهران بعض التنازلات الفنية المتعلقة بمستويات التخصيب أو آليات الرقابة الدولية، لكن ضمن حدود لا تسمح بتقديم صورة داخلية توحي بالتراجع الكامل أو التخلي عن المشروع النووي، مؤكدا أن الخلافات الجوهرية بين الطرفين ما زالت قائمة، سواء في مستويات التخصيب، أو طبيعة الرقابة الدولية، أو العقوبات التي يمكن رفعها، إضافة إلى أزمة الثقة المتراكمة نتيجة تجارب سابقة شهدت انهيار اتفاقات كان ينظر إليها باعتبارها مستقرة وتتمتع بضمانات دولية كافية.
سيناريو الاتفاق المرحلي .. مكاسب جزئية مؤقتة تفاديا لخطر المواجهة المفتوحة
ورغم ذلك، تبدو هناك رغبة مشتركة في الحفاظ على مسار التفاوض ومنع انهياره، ولذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في التوصل إلى اتفاق مرحلي أو جزئي يمنح كل طرف بعض المكاسب، ويؤجل القضايا الأكثر تعقيدا إلى مراحل لاحقة، فهذا الخيار يمنح واشنطن فرصة لضبط الملف النووي مؤقتا، ويمنح إيران متنفسا اقتصاديا تحتاج إليه بشدة لتجاوز تبعات الحظر المفروض عليها منذ سنوات طويلة، وفي حال تعثر المفاوضات، فإن البدائل لن تكون سهلة على أي من الجانبين، إذ قد تتجه الولايات المتحدة إلى تشديد العقوبات والضغوط، بينما قد ترد إيران بتوسيع أنشطتها النووية ورفع مستوى التحدي، مما يعيد المنطقة إلى دائرة جديدة من التوتر وعدم اليقين، واختتم السعيد قراءته بأن تبقى المفاوضات الحالية أقرب إلى عملية إدارة للمصالح والخسائر المتبادلة، لا إلى معركة حسم نهائية، حيث تبدو التسوية المؤقتة الخيار الأكثر واقعية مقارنة بمخاطر المواجهة المفتوحة التي قد تجر الإقليم بأكمله إلى صدام غير محسوب العواقب.
ملامح التهدئة العسكرية .. فتح مضيق هرمز بانتظار قرار ترامب النهائي
وبعد أسابيع من التصعيد العسكري والتوتر غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإيران، تلوح في الأفق مؤشرات على إمكانية التوصل إلى اتفاق مبدئي قد يفتح الباب أمام تهدئة طال انتظارها، وبينما تتحدث بعض التسريبات عن تقدم في المفاوضات، لا تزال ملفات شائكة وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني تقف عائقا أمام الوصول إلى تسوية نهائية للملفت العالقة بين البلدين، ومن جانبه، قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي، في تصريحات لـ “القصة”: “إن المفاوضات الأمريكية الإيرانية تقترب من اتفاق مبدئي لإنهاء الحرب، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يمنح موافقته النهائية بعد”، وأردف مهران في تحليله القانوني للمشهد بأن استمرار الحرب أثبت أن كلفتها مرتفعة على الطرفين، حيث تواجه إيران ضغوطا اقتصادية كبيرة، بينما تتحمل الولايات المتحدة تداعيات التوتر على أسواق الطاقة العالمية والملاحة في مضيق هرمز، واستطرد أستاذ القانون الدولي مبينا أن واشنطن تسعى إلى فتح مضيق هرمز ووقف التصعيد النووي الإيراني، بينما تتمسك طهران بحقها في التخصيب السلمي باعتباره خطا أحمر لا يمكن التنازل عنه في أي تسوية مقبلة، وزاد مهران مبينا ملامح الاتفاق بأن المؤشرات الحالية تؤكد أن الاتفاق المطروح يركز على وقف الحرب وتهيئة أجواء التفاوض دون التوصل إلى تسوية نهائية للملف النووي، والسيناريو الأقرب يتمثل في اتفاق جزئي يوقف العمليات العسكرية ويفتح مضيق هرمز ويخفض التوتر مؤقتا، واختتم الدكتور مهران شهادته محذرا من أن تأجيل القضايا النووية الأكثر تعقيدا إلى جولات تفاوض لاحقة قد يؤدي إلى أزمات جديدة مستقبلا إذا لم يعالج جذور الخلاف بشكل نهائي، مشددا على أهمية وجود ضمانات قانونية ودولية تضمن استدامة أي تفاهم يتم التوصل إليه.