في مفارقة اقتصادية حادة، تعلن الحكومة عن احتياطي نقدي تاريخي يتجاوز 52 مليار دولار وفائض في الموازنة، بينما تواصل طرق أبواب الاقتراض الدولي بمليار دولار جديدة لتدوير ديونها السابقة.
أعلنت وزارة المالية ارتفاع الفائض الأولي بالموازنة العامة للدولة ليصل إلى 897 مليار جنيه بنسبة 2ر4 % من الناتج المحلي الإجمالي، خلال (يوليو – أبريل) 2025 /2026.
وكشف البنك المركزي المصري ارتفاع صافي احتياطيات مصر من النقد الأجنبي إلى أكثر من 53 مليار دولار بنهاية شهر أبريل الماضي، مقابل 52.831 مليار دولار في مارس 2026، بزيادة بلغت 169 مليون دولار.
ورغم رفع الحكومة أسعار البنزين والكهرباء، لتقليل الدعم وعجز الموازنة، فإن مصر لا تزال بحاجة إلى قروض جديدة بمليارات الدولارات.. فما السبب؟
عبء جديد على الاقتصاد يدفع ثمنه المواطن البسي
من جانبه، يقول الدكتور إلهامي الميرغني، الخبير الاقتصادي، إن “السياسة الاقتصادية معتمدة على التمويل بالقروض، وليس بمصادر من الإنتاج السلعي وللأسف موازنة 2026-2027 يتضمن 2419.8 مليار جنيه فوائد قروض و2808 مليارات سداد لأقساط قروض، وتمثل الفوائد والأقساط 64% من استخدامات الموازنة، بالإضافة الي قروض جديدة وأعباء جديدة تقدرها الموازنة بحوالي 4010 مليارات جنيه أو 4 تريليونات جنيه قروض جديدة، مشيراً إلى أنه بذلك أصبح الاقتصاد قائم على التمويل بالديون”.
ويؤكد ميرغني، في حديثه لـ “القصة”، أن القرض الجديد من البنك الدولي قد ترتبط بإجراءات اقتصادية جديدة قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود أو الخدمات، قائلًا: “مؤكد أي قرض جديد له شروط قد تتعلق بأسعار الخدمات والوقود أو انسحاب الدولة من بعض المجالات أو فتح الأسواق أمام القطاع الخاص”.
ويشير إلى أن خدمة الدين أصبحت تمثل عبئًا على الاقتصاد المصري والموازنة العامة، حيث قال: “64% من استخدامات الموازنة سداد فوائد وأقساط و49.1% من موارد الموازنة الجديدة قروض وبالتالي لا يوجد إنتاج وقيمة مضافة حقيقية وصادرات وموارد من الصادرات بل ديون ومزيد من الديون”.
ويؤكد أن البنزين مرشح لزيادة جديدة خلال الفترة المقبلة، نتيجة التوترات الجيوسياسية في المناطق الإقليلة، مع الاستمرار في إغلاق مضيق هرمز، قائلًا: ” هو أمر أكيد خاصة مع استمرار التوتر في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز”.
ويلفت أن القرض الجديد تزيد الأعباء على المواطن، من حيث التضخم وأسعار السلع والخدمات، حيث قال: “الحكومة تقترض والمواطن هو الذي يتحمل الأعباء والتضخم، وهو الذي يسدد ديون الحكومة التي لم يستفيد منها، ولم تغير حياته بل أدت لمزيد من تدهور مستوى المعيشة”.
أما بالنسبة لحديث البنك الدولي عن تعزيز دور القطاع الخاص في مصر، حتى يكون قادرًا على قيادة النمو وتوفير فرص عمل حقيقية، يقول: “الحقيقة دي توصية صندوق النقد الدولي مش فقط البنك الدولي، ولنتأمل أوضاع القطاع الخاص والاحتكارات من أحمد عز في الحديد إلى هشام طلعت مصطفى في العقار، هذا هو القطاع الخاص الذي يوصي به الصندوق والبنك، احتكارات بلا رقابة وتسعير بلا رقابة، وأعباء يتحملها الاقتصاد المصري والمواطن المصري المحدود الدخل.
ويختتم ميرغني حديثه، بالتأكيد أن القطاع الخاص يبحث عن أعلى نسبة أرباح ممكنه، ولا يهتم بحال المواطن، لهذا السبب تزيد الأزمة ويقع على كاهل المواطن محدود الدخل المزيد من النفقات، نتيجة موجة التضخم التى تأتى لتنهش من قوته، قائلا: “القطاع الخاص يبحث عن اعلي أرباح ولا يهتم بالجانب الاجتماعي، ولذلك تزيد الأزمة وتزيد الضغوط على المواطنين”.
مفارقة السيولة والديون: لماذا تقترض مصر والاحتياطيات في قمتها التاريخية؟
إن وصول الاحتياطيات الدولية إلى رقم قياسي يتجاوز 52 مليار دولار بينما تلهث الموازنة خلف قروض جديدة، يعكس حقيقة مريرة “نحن لا نراكم فوائض إنتاجية بل ندير أزمة سيولة بآلية القرض لغرض السداد”، هكذا بدأ دكتور هاني أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي، حديثه لـ”القصة”.
ويتابع الخبير الاقتصادي حديثه بسؤال يتردد في كل بيت مصري، “كيف تعلن الحكومة عن تحقيق فائض أولي في الموازنة بنسبة 1.8% وتتحدث عن قفزة ضريبية بنسبة 29% ثم نجد أنفسنا نبحث عن تمويلات جديدة بضمانات دولية؟”.
ويوضح أن الإجابة تكمن في فخ خدمة الدين، فالحكومة المصرية، رغم نجاحها الظاهري في خفض عجز الموازنة إلى 5.2% من الناتج المحلي، لا تزال أسيرة ديون قديمة، حيث بلغ الدين الخارجي نحو 163.9 مليار دولار، بحسب بيانات البنك المركزي المصري والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء”.
ويلفت أن “التناقض الذي يستدعي التوقف عنده طويلًا أننا نعيش حالة من الاستقرار الهش، فبينما يستقر سعر الصرف عند 53.4 جنيه للدولار وتنتعش تحويلات المصريين بنسبة تقترب من 30%، نجد أن مؤشر مديري المشتريات “PMI” لا يزال قابعًا عند 46.6 نقطة، طبقًا لبيانات البنك المركزي المصري، وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
ويشير إلى أن هذا يعني ببساطة أن”المصانع والشركات ما زالت في حالة انكماش، وبالتالي فإن هذا التمويل الجديد لن يذهب في معظمه لإنشاء مصانع جديدة، بل سيُوجَّه لسداد التزامات دورية والحفاظ على برستيج العملة الصعبة أمام الأسواق العالمية”.
ويؤكد أن سلسلة انتقال الصدمة المرتبطة بشروط هذه القروض، تشعره بقلق شديد، قائلًا: “وما يقلقني حقًا هو سلسلة انتقال الصدمة المرتبطة بشروط هذه القروض، فالاتفاقيات مع المؤسسات الدولية غالبًا ما تضغط لرفع الدعم، بهدف تقليص العجز وهذا ينعكس مباشرة على أسعار الوقود والكهرباء، مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة النقل والإنتاج، لينتهي الأمر بزيادة الضغط على جيب المواطن الذي يعاني أصلًا من تآكل نصيبه من الناتج المحلي، بسبب التضخم الذي بلغ 14.9%، اعتمادًا على بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء”.
ويؤكد أن “وجود ضمان ائتماني بريطاني في هذا التمويل، هو شهادة ثقة دولية مؤقتة، لتقليل مخاطر الائتمان (CDS)، التي تقترب من 370 نقطة أساس، لكنه في الوقت نفسه قيد جديد، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري ووزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية”.
ويردف أن “الخلاصة التي أخرج بها هي أننا أمام مسكنات قوية المفعول، فالاستثمار الأجنبي المباشر الذي بلغ 9.3 مليار دولار “بفضل رأس الحكمة”، بحسب بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، لن يتكرر كل شهر، وإذا لم تتحول هذه القروض إلى طاقة إنتاجية تخفف من وطأة الميزان التجاري الهيكلي، سنظل ندور في حلقة مفرغة من الاقتراض لسداد الاقتراض”.
ويختتم حديثه: “في النهاية، الأرقام الكبيرة في البنك المركزي لا تعني الكثير للمواطن طالما ظل التضخم الاجتماعي ينهش قدرته الشرائية، هل تملك الحكومة الجرأة لتحويل هذه السيولة من خانة السداد إلى خانة التصنيع قبل أن تستنزف القروض الجديدة ثمار الإصلاح ؟”.