لم تعد المعارك الآن تُخاض بالسلاح وحده، بل بالروايات والرموز، ويتمتدّ الصراع إلى ما هو أبسط وأقرب إلى الناس، طعامهم اليومي.
من قلب الشارع المصري، حيث تتصاعد رائحة الطعمية الساخنة كل صباح، يظهر جدل غير متوقّع، متمثل في محاولات لنسب هذا الطبق الشعبي إلى إسرائيل،وعندما يصبح طبق بسيط مثل الطعمية محلّ تنازع، يتجاوز الأمر حدود المطبخ ليصل إلى صميم الصراع.
إسرائيل تحاول نسب الفلافل لنفسها
أثار منشور عبر إحدى الصفحات الإسرائيلية يتحدث عن الفلافل جدلًا شديدًا، إذ جاء به: “هل هناك ما هو أكثر “شرق أوسطية” من رائحة الفلافل المقرمشة في الصباح؟”.
وتضمن: “في كل زاوية من منطقتنا، يعتبر الفلافل ملك الأطعمة الشعبية. ولكن اليوم، نلبسه حلة جديدة. هذه الكرات الذهبية، المليئة بالنكهات الغنية والمصنوعة بحب، لا تكتفي بكونها وجبة لذيذة، بل تتحول إلى منصة للاحتفال”.
ويضم: “في عيد استقلال إسرائيل الـ 78 اليوم ترفرف الأعلام الزرقاء والبيضاء فوق أطباق الفلافل، لتذكرنا بأن حب الوطن يتغلغل في أدق تفاصيل حياتنا اليومية، وحتى في أطباقنا المفضلة. هي دعوة للاحتفال ببهجة وبساطة، عبر طبق نعرفه جميعاً ونحبه جميعاً، الفلافل هو “الطبق الدبلوماسي” الأقوى في المنطقة. كيف تحتفل بلادكم بأطباقها الشعبية في المناسبات الوطنية؟ شاركونا صوراً أو ذكرياتكم!”.
“ليست حدثًا جديدًا”
“إن محاولات نسب الحضارة والإنجازات التاريخية إلى الكيان الصهيوني ليست حدثًا جديدًا”، هكذا أكد الدكتور جمال شقرة، مؤرخ التاريخ الحديث، في حديثه لـ”لقصه” مشيرًا إلى أن هذه الادعاءات تأتي في سياق أوسع يهدف إلى ترسيخ سردية تاريخية تخدم أهدافًا سياسية.

ويوضح أن الترويج لامتلاك جذور حضارية عميقة، خاصة فيما يتعلق بالحضارة المصرية، يتعارض مع الحقائق التاريخية الموثقة، مؤكدًا أن محاولات نسب بعض الأطعمة التقليدية، مثل الفلافل، إلى الكيان الصهيوني تفتقر إلى الدقة التاريخية.
ويقول: “تشير الشواهد الأثرية إلى أن المصريين القدماء عرفوا الفول واستخدموه في غذائهم منذ آلاف السنين، وأن بقايا الفول المدمس وأنواعًا أخرى منه وُجدت في المعابد المصرية، وهو ما يعزز كون الفلافل ذات جذور مصرية أصيلة تعكس طبيعة المجتمع المصري المحب للحياة”.
الوعي الثقافي خط الدفاع أول
ويشدد شقرة على أهمية الوعي الثقافي والتاريخي في مواجهة هذه الادعاءات، معتبرًا أن تعزيز المعرفة بالتاريخ وتوثيق التراث يمثّلان خط الدفاع الأول للحفاظ على الهوية، ومواجهة محاولات التزييف أو التشويه.
ويؤكد شقرة أن هذه المحاولات ليست جديدة، بل تأتي ضمن صراع ممتد على الهوية والرواية، إلا أن الحقائق التاريخية تظل راسخة، ويظل الوعي والمعرفة السبيل الأهم للحفاظ على الإرث الحضاري.