بين عشية وضحاها، تبدلت أحجار الشطرنج في الشرق الأوسط ليتحول المشهد السوري إلى ساحة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية برمتها، وجاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصادمة لتكشف عن ملامح “معادلة جديدة” تتبناها واشنطن تقوم على الانتقال من مرحلة دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية المفتوحة إلى إدارة النسق والتحكم بالنتائج.
وفي قلب هذه الاستراتيجية، يبرز تحول براغماتي لافت في النظرة الأمريكية تجاه “سوريا الجديدة” بقيادة أحمد الشرع الجولاني، ليس كاعتراف أيديولوجي، بل كأداة أمنية وسياسية تكتيكية لتقويض نفوذ طهران وتوجيه ضربات “جراحية” قاتلة لحزب الله اللبناني، مما يفتح الباب أمام تساؤلات معقدة حول مستقبل العلاقات بين دمشق وطهران، ومصير القواعد الخلفية للمقاومة.
الفصل بين الأهداف.. تكتيك أمريكي جديد في الساحة اللبنانية
توجهت الباحثة في العلوم السياسية الدكتورة مونيكا وليم، بتقديم تمييز دقيق في السياسة الخارجية لترمب مؤكدة أن العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية والتوافق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا تزال قوية، إلا أن هناك اختلافات تكتيكية واضحة برزت في إدارة الساحة اللبنانية.
وتوضح مونيكا لـ “القصة”: “الولايات المتحدة باتت تفصل بين هدفين الأول هو الاستمرار في الضغط على حزب الله وإضعاف قدراته وبنيته التحتية العسكرية باعتباره ذراع طهران الأقوى، والثاني هو الحيلولة دون انهيار الدولة اللبنانية أو دفع المنطقة نحو حرب شاملة قد تخلط الأوراق الإقليمية في توقيت دقيق و حرج للداخل الأمريكي”، وتضيف أن واشنطن تشترط عدم إدراج الملف اللبناني ضمن أي اتصالات أو تفاهمات أوسع محتملة مع الجانب الإيراني، رغبة منها في استمرار تقويض الحزب وعزله.
التوظيف الأمريكي لـ “المعطيات السورية” والرد الميداني الإيراني
وأشارت مونيكا إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى بقوة لاستثمار التحولات الجارية في سوريا، وتوظيف “المشهد السوري الجديد” ضمن مشروع أوسع للتخلص من النفوذ الإيراني عبر أدوات سياسية وأمنية أكثر تعقيداً، ورداً على هذه الهندسة الأمريكية-الإسرائيلية، جاء الموقف الإيراني ميدانياً و صارماً حيث لم تكتفي طهران بالتصريحات السياسية بل لجأت إلى “الرد الميداني” عبر قصف بالعمق الإسرائيلي.
هذا القفز الميدانية تقول الباحثة جاء كرد مباشر على الاستهداف الإسرائيلي المستمر للضاحية الجنوبية في لبنان منذ الأسبوع الماضي، وتحديداً عقب إعلان إسرائيل السيطرة على بعض القرى و استهدافها لسيادة وسيطرة الجيش اللبناني، مما دفع طهران لإعادة تذكير الجميع بـ “وحدة الساحات” عبر عمليات نوعية تعيد صياغة شروط التفاوض والنفوذ.
سيناريوهات العلاقة بين دمشق وطهران.. هل تسقط سوريا في فخ العزلة؟
وحول التأثيرات المتوقعة لدور سوريا الجديد على علاقتها الاستراتيجية مع طهران وتوازنات القوى الداخلية، تطرح وليم عبر “القصة” ثلاثة سيناريوهات محتملة و مستقبلية:
السيناريو الأول مستبعد: تحول سوريا إلى خصم علني وجلي لإيران: تصف الدكتورة مونيكا هذا السيناريو بالمستبعد معللة ذلك بأن المتتبع للسياسة الخارجية السورية منذ وصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة، يجد أنه يتبع سياسة حذرة وحادة نوعاً ما، متجنباً الدخول في تحالفات صريحة أو معلنة، وبالتالي فإن فكرة الإغلاق الكامل للمطارات أو قطع خطوط الإمداد اللوجستي بشكل صدامي ومباشر تعد أمراً مستبعداً في الوقت الراهن لتفادي الانفجار الداخلي، خاصة مع وجود انتهاكات إسرائيلية مستمرة وتدخلات قوى و أقليات أخرى في المشهد السوري كالدرز و الأكراد.
السيناريو الثاني: صياغة تفاهم سوري-إيراني جديد وهو سيناريو يصطدم بالاختلافات الأيديولوجية والعقائدية العميقة بين النظامين الجديد في دمشق والثيوقراطي في طهران، مما يجعل التفاهم الشامل معقداً ومحفوفاً بالشروط الصعبة.
السيناريو الثالث الأكثر ترجيحًا: إعادة تموضع المقاومة داخل سوريا، ترى الباحثة أن هذا هو الاحتمال الأكبر ففي حال تعرض حزب الله لضغوط تصفية ونزع سلاح شديدة داخل لبنان، فإنه سيسعى للحفاظ على بنية لوجستية وتدريبية سرية كـ “قاعدة خلفية” داخل الأراضي السورية.
مقصلة الاستثمارات وضغوط واشنطن.. قرار دمشق الصعب
تختتم مونيكا وليم حديثها لـ “القصة” بالإشارة إلى الذكاء الأمريكي في استخدام سياسة “الجزرة والعصا” مع النظام السوري الجديد حيث يبرز المسار الذي بدأ بوضوح منذ مايو 2025 عبر تصريحات الإدارة الأمريكية حول إمكانية رفع العقوبات وجذب الاستثمارات الدولية لإعادة إعمار سوريا.
هذا الإغراء الاقتصادي يمثل في حقيقته- أداة ضغط دولية هائلة على الجانب السوري، حيث تدرك دمشق تماماً أن عودة حزب الله أو الفصائل الموالية لإيران لاستخدام الأراضي السورية كقاعدة انطلاق عسكرية، سيعني حرمان البلاد من الاستثمارات وعودتها إلى مربع الحصار الاقتصادي والضربات العسكرية، مما يضع السياسة الخارجية “الحذرة” لدمشق أمام أصعب اختباراتها لتحديد هويتها الإقليمية الجديدة.