في واحدة من أكثر المحطات إثارة في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية، صوّتت 82 دولة عضو لصالح عزل المدعي العام للمحكمة كريم خان، متجاوزةً الأغلبية المطلوبة لإقرار القرار، في تصويت سري جرى داخل مقر الأمم المتحدة في نيويورك. وبينما استند القرار رسميًا إلى اتهامات تتعلق بـ”سلوك جنسي غير لائق”، سرعان ما تحوّل الملف إلى ساحة جدل سياسي وقانوني، مع اتهامات بأن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية لعبت دورًا حاسمًا في الإطاحة بالرجل الذي ارتبط اسمه بمذكرات اعتقال غير مسبوقة بحق مسؤولين إسرائيليين.
تصويت حاسم.. وطعن قانوني مرتقب
بحسب ما أعلنته جمعية الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، حصل قرار عزل كريم خان على تأييد 82 دولة، وهو عدد يفوق بكثير الحد الأدنى المطلوب لاعتماد القرار، والمحدد بـ63 دولة من أصل 125 عضوا.
وفي أول رد فعل، أكد فريق الدفاع عن خان أن القرار سيطعن عليه أمام الجهات المختصة، معتبرا أن الإجراءات التي أفضت إلى التصويت شابتها مخالفات قانونية وإجرائية.
اتهامات شخصية.. وخلفية سياسية
جاء التصويت بعد أشهر من اتهامات وجهت إلى خان بشأن “سلوك جنسي غير لائق”، وهي اتهامات ينفيها المدعي العام السابق بشكل قاطع.
لكن توقيت القرار أثار تساؤلات واسعة، خاصة أنه يأتي بعد أشهر من إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.
ووفقا لتقرير نشره موقع Axios نقلا عن مسؤول إسرائيلي، كثفت وزارة الخارجية الإسرائيلية بقيادة جدعون ساعر اتصالاتها الدبلوماسية مع عدد من الدول لحشد الدعم لعزل كريم خان أو الدفع نحو الامتناع عن التصويت.
واشنطن في مواجهة المحكمة
تزامنت التطورات أيضا مع تصعيد أمريكي واضح تجاه المحكمة الجنائية الدولية. فقد أعلنت الإدارة الأمريكية، في وقت سابق، نيتها إطلاق حملة دبلوماسية تستهدف تقليص نفوذ المحكمة، معتبرة أنها تمثل تهديدا للسيادة الأمريكية، كما فرضت واشنطن عقوبات على عدد من قضاة المحكمة ومسؤولي الادعاء، كان من بينهم كريم خان، بسبب مذكرات الاعتقال الخاصة بالمسؤولين الإسرائيليين.
وثائق رويترز.. أساس القرار
ووفقا لوثائق اطلعت عليها وكالة رويترز، أوصت الهيئة الإدارية للمحكمة بعزل خان بعدما خلصت إلى أنه خالف قواعد السلوك الوظيفي من خلال إقامة “علاقة غير لائقة مع موظفة مبتدئة”.
في المقابل، رفض محامو خان هذه النتائج، ووصفوا القرار بأنه “غير قانوني وغير عادل إجرائيًا”، مؤكدين أن الأدلة لا تدعم الاتهامات الموجهة إليه.
خبراء: المحكمة هي الخاسر الأكبر
يرى أستاذ القانون الدولي والمدعي العام السابق بالمحكمة الجنائية الدولية جيفري نايس، في تصريحات نقلتها قناة الجزيرة، أن ما حدث يتجاوز شخص كريم خان، ويمثل ضربة مباشرة لاستقلال المحكمة.
وقال نايس إن هناك محاولات تقودها إسرائيل والولايات المتحدة لإضعاف المحكمة وتقويض دورها، معتبرًا أن عزل المدعي العام قد ينعكس سلبًا على قدرة المؤسسة على ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية مستقبلًا.
وأضاف أن القضية تمثل اختبارًا حقيقيًا لاستقلال العدالة الدولية في مواجهة الضغوط السياسية.
إسرائيل ترحب.. لكن المذكرات قائمة
وعقب إعلان نتيجة التصويت، سارعت إسرائيل إلى الترحيب بعزل كريم خان، معتبرة أن القرار يفتح الباب أمام مراجعة مذكرات الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو وغالانت.
غير أن خبراء القانون الدولي يؤكدون أن عزل المدعي العام لا يؤدي تلقائيًا إلى إسقاط تلك المذكرات، لأنها صدرت بقرار من الدائرة التمهيدية الأولى بالمحكمة، ولا يمكن إلغاؤها إلا بقرار قضائي جديد من قضاة المحكمة أنفسهم.
كما سبق للمحكمة أن رفضت اعتراضات إسرائيل المتعلقة بعدم اختصاصها، وأكدت ولايتها القضائية على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد انضمام دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي.
خان: كنت تحت المراقبة
وقبل عزله، كشف كريم خان، في مقابلة مع موقع Middle East Eye البريطاني، أنه تلقى معلومات تفيد بخضوعه لمراقبة من أجهزة استخبارات روسية وإسرائيلية.
واتهم خان جهات داخل المحكمة وخارجها بشن حملة تستهدف إبعاده عن منصبه بسبب تحقيقاته المتعلقة بجرائم الحرب في غزة، مؤكدًا أنه تعرض لضغوط وعمليات ترهيب غير مسبوقة.
كما قال إن تجاهل نتائج تحقيق سابق للأمم المتحدة، قال إنه لم يجد أدلة تثبت الاتهامات بحقه، يمثل انتهاكًا لمبادئ العدالة والإجراءات القانونية السليمة.