في السودان، تتصارع الأحداث بوتيرة تفوق قدرة هذا البلد المنهك على استيعاب آثارها أو مجاراة تداعياتها. فكل يوم يحمل معه تطورًا جديدًا في مشهد سياسي وعسكري شديد التعقيد، تتقاطع فيه مصالح القوى المحلية والإقليمية والدولية.
وما يزيد خطورة الموقف هو أن تواتر هذه الأزمات لا يكتفي بتفاقم الجراح القديمة داخل السودان، بل يستحدث أزمات جديدة تتجاوز حدوده، مهددًا التوازنات السياسية والجغرافية لدول الجوار.
إن منطقة القرن الإفريقي اليوم تقف على حافة اضطراب عميق، حيث تمتد ارتدادات الحرب السودانية لتلامس البحر الأحمر والقرن الإفريقي وشرق المتوسط، في مشهد يجعل العلاقة بين السودان وجيرانه — ولا سيما مصر — جزءًا من معادلة إقليمية حساسة. فمصر ليست مجرد جارٍ جغرافي، بل هي فاعل رئيسي يسعى إلى تهدئة الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إدراكًا منها أن استقرار السودان ليس رفاهية دبلوماسية، بل ضرورة أمن قومي تمس أمنها المائي والحدودي والاجتماعي.
من هنا، يصبح التساؤل مشروعًا: هل تتأثر مصر مباشرة بما يجري في السودان؟ وكيف يمكنها، وهي اللاعب الأهم في ملف التهدئة، أن توازن بين حماية مصالحها الوطنية وبين دعم مسار السلام والتحول الديمقراطي في بلد يتقاطع معه تاريخيًا وثقافيًا وإنسانيًا؟
الرباعية الإقليمية: أمل أم مأزق؟
في محاولات احتواء الأزمة، برزت اللجنة الرباعية التي تضم مصر والولايات المتحدة والسعودية والإمارات، بوصفها أحد أهم الأطر الإقليمية والدولية لإدارة التفاوض وإيقاف إطلاق النار وتهيئة الطريق نحو عملية سياسية شاملة.
تكوّنت هذه اللجنة في أعقاب تزايد القلق الدولي من انهيار مؤسسات الدولة السودانية، واتساع رقعة الحرب من الخرطوم إلى دارفور وكردفان وشرق البلاد، ما جعل من التدخل الدبلوماسي المشترك ضرورة ملحة لتجنب تحوّل السودان إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.
مصر دخلت هذا المسار بوعي واضح بأن دورها يجب أن يكون مكمّلًا لمساعي الأشقاء لا متنافسًا معهم، مع تركيزها على الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته الوطنية، وعلى رأسها الجيش السوداني باعتباره العمود الفقري للدولة.
في المقابل، اتسمت الولايات المتحدة والإمارات بموقف أكثر مرونة تجاه فكرة “الانتقال المدني الفوري”، دون اشتراطات واضحة حول طبيعة الترتيبات الأمنية أو التوافقات الداخلية، وهو ما أثار حفيظة بعض القوى السودانية التي رأت في ذلك تسرّعًا قد يعمّق الانقسام بدلًا من إنهائه. أما السعودية فحافظت على مقاربة وسطية، تركز على الدعم الإنساني واستضافة جولات التفاوض في جدة، مع تأكيدها الدائم على احترام سيادة السودان ورفض تدويل الأزمة.
هذا التباين في الرؤى داخل الرباعية انعكس مباشرة على المشهد السياسي السوداني؛ فبينما رأت قوى مدنية مؤيدة للثورة أن اللجنة تمثل “فرصة جديدة لإنقاذ البلاد”، اتهمتها فصائل أخرى بأنها تدخل خارجي يهدف لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي على حساب المصلحة الوطنية. وفي الشارع السوداني، بدا الموقف الشعبي أكثر تشوشًا، إذ انقسم الناس بين من يرى أن أي مسار دبلوماسي يوقف نزيف الدم هو مكسب، وبين من يعتبر أن هذه الاجتماعات لا تعني شيئًا طالما أن صوت السلاح هو الأعلى في البلاد.
مصر بين الحياد الإيجابي ومخاطر التورط
بالنسبة إلى مصر، تُمثّل الأزمة السودانية ملفًا استراتيجيًا متشابكًا تتقاطع فيه اعتبارات الأمن القومي مع حسابات السياسة الإقليمية.
فالمشهد الحدودي الممتد من وادي حلفا إلى شلاتين، بات يشهد تحركات إنسانية متزايدة مع تدفق مئات الآلاف من اللاجئين الفارين من الحرب، ما يفرض على القاهرة تحديات اقتصادية واجتماعية مباشرة. كما تخشى مصر من أن يؤدي استمرار الصراع إلى خلق فراغ أمني يمكن أن تنشط فيه جماعات مسلحة أو شبكات تهريب عبر الحدود الطويلة بين البلدين.
من جهة أخرى، فإن لمصر مصلحة استراتيجية في الحفاظ على تماسك الجيش السوداني، ليس فقط لاعتبارات الأمن الإقليمي، بل لأن انهيار المؤسسة العسكرية السودانية قد يفتح الباب أمام تفكك السودان إلى كيانات متناحرة، وهو ما يهدد الأمن على ضفاف النيل ويزيد من هشاشة منطقة البحر الأحمر.
وفي الوقت ذاته، تدرك القاهرة أن أي انحياز علني لطرف ضد آخر قد يُفقدها ثقة قطاع من القوى المدنية السودانية، لذلك تحاول انتهاج سياسة الحياد الإيجابي: دعم الحوار لا السلاح، وتثبيت مسار الدولة لا الأطراف.
التحول المدني.. بين الممكن والمستحيل
أحد الملفات الأكثر حساسية في مداولات اللجنة الرباعية كان ملف التحول المدني للحكم، إذ يطالب المجتمع الدولي بعودة المسار الديمقراطي بعد الحرب، في حين يرى كثير من الفاعلين السودانيين أن الأولوية يجب أن تكون وقف القتال وإعادة بناء المؤسسات قبل أي حديث عن الانتخابات أو تقاسم السلطة.
مصر — بخبرتها الطويلة في التعامل مع التحولات السياسية المعقدة في جوارها — تبنت رؤية تقوم على تدرّج المسار الانتقالي، بحيث يتم أولًا تثبيت الأمن وإعادة الخدمات، ثم إطلاق حوار وطني سوداني-سوداني يضم القوى المدنية والعسكرية والحركات المسلحة.
غير أن بعض الأطراف الدولية تميل إلى اختزال الأزمة في “صراع على السلطة بين قائدين”، متجاهلة الجذور الاجتماعية والإثنية والاقتصادية العميقة التي تغذي الحرب. وهنا يأتي دور القاهرة الدبلوماسي في توسيع زاوية الفهم الدولي وإقناع الشركاء بأن الحل في السودان لا يمكن أن يكون نسخًا لنموذج جاهز، بل تسوية سودانية خالصة بوساطة إقليمية رشيدة.
انعكاسات الحرب على مصر والمنطقة
تتجلى آثار الحرب السودانية على مصر في أربعة مستويات مترابطة:
1. المستوى الأمني:
يشكل استمرار القتال مصدر قلق مباشر للأمن الحدودي المصري. فالتقارير الأمنية تشير إلى أن مناطق التماس الحدودية قد تتحول إلى نقاط عبور لتهريب السلاح واللاجئين، ما يفرض على مصر تعزيز وجودها العسكري في الجنوب.
2. المستوى الاقتصادي:
تدفق اللاجئين السودانيين، رغم ما يحمله من بعد إنساني نبيل في احتضان الأشقاء، إلا أنه يشكل عبئًا على الاقتصاد المصري المتأزم، خاصة في مجالات الإسكان والتعليم والصحة. كما أن توقف التبادل التجاري بين البلدين يضر بمئات الشركات والمزارع المصرية العاملة في السودان.
3. المستوى الاجتماعي والثقافي:
يربط الشعبين المصري والسوداني تاريخ من التداخل الأسري والثقافي، ما يجعل الحرب جرحًا إنسانيًا مشتركًا. ومع تزايد أعداد السودانيين المقيمين في مصر، برزت تحديات الاندماج الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه فتحت نوافذ جديدة للتقارب الشعبي وتبادل الدعم الإنساني.
4. المستوى الجيوسياسي:
استمرار النزاع في السودان يضع البحر الأحمر أمام احتمالات عسكرة جديدة، ويهدد استقرار القرن الإفريقي الذي يمثل أحد أهم محاور الأمن القومي المصري والعربي. ومن ثمّ، فإن أي تسوية في السودان ستكون مكسبًا لمصر والمنطقة بأكملها، والعكس صحيح
الطريق الطويل نحو الاستقرار
في نهاية المطاف، تبدو الأزمة السودانية أبعد ما تكون عن الحل السريع. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على مستقبل الدولة السودانية ذاتها، بين من يريدها وطنًا موحدًا قائمًا على المؤسسات، ومن يدفعها إلى التفكك والانقسام.
ومع ذلك، تظل الفرصة قائمة ما دامت هناك إرادة إقليمية صادقة ومسار تفاوضي يُبقي على الأمل. فالدور المصري، بدعمه المتوازن وحرصه على عدم إقصاء أي طرف، يمكن أن يشكل نقطة ارتكاز رئيسية في إعادة السودان إلى مسار الدولة لا الحرب، والاستقرار لا الانهيار.
ربما لن تُنقذ اللجنة الرباعية السودان وحدها، لكنها قد تفتح الباب أمام تسوية تدريجية تحفظ الدم السوداني وتعيد للدولة السودانية مكانتها في محيطها الطبيعي. ومتى تحقق ذلك، فإن أول المستفيدين سيكون مصر، لأنها تدرك أن استقرار الجنوب هو درعها الحامي، وأن السودان، مهما تقلبت به الأقدار، يظل الجار الأقرب والعمق الأعمق.