تزايد شكاوى المتضررين من “شركات للتطوير العقاري” يفتح ملف “بزنس الوهم العقاري” في السوق المصرية
في الوقت الذي يعيش فيه المصريون واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية، تحول حلم السكن إلى معركة خاسرة بين الوعود اللامعة على شاشات الإعلانات والواقع الذي يخلو من الطوب والأسمنت.
خلال الأشهر الماضية، تصاعدت موجة غير مسبوقة من الشكاوى ضد شركات عقارية وُصفت بأنها “تبيع الهواء”، تتصدرها بحسب مئات البلاغات والدعاوى القضائية لشركات للتطوير العقاري، التي أطلق عملاؤها حملات إلكترونية تتهم بالتأخر في التسليم وعدم الالتزام ببنود التعاقد.
حماية المستهلك: 900 شكوى عقارية و250 محضر لشركة واحدة
الظاهرة لم تعد فردية، إذ يؤكد خبراء سوق العقارات أن ما يحدث يعكس ثغرات تشريعية تسمح لشركات غير جاهزة ماليًا أو إداريًا ببيع وحدات “على الورق” دون رقابة كافية، علاوة عن “غياب قاعدة بيانات مركزية للمشروعات المرخصة جعل المستهلك فريسة سهلة للإعلانات المضللة، التي تتلاعب بالمشاعر قبل الحسابات”.
250 محضرا ضد شركة عقارية واحدة
بحسب وثائق قدمت إلى الجهات القضائية، ضد شركة “نيو جيرسي” فقد تجاوز عدد العملاء الذين تقدموا بشكاوى رسمية ضد الشركة 250 متضررًا، بعضهم لجأ إلى القضاء وآخرون إلى جهاز حماية المستهلك، بعد أن واجهوا تأجيلات متكررة في تسليم الوحدات الموعودة بمشروعات أبرزها “ذا سيتي” بالعاصمة الجديدة.
شهدت الأشهر الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في شكاوى العملاء من عدة مشروعات عقارية، أبرزها مشروع “ذا سيتي” ومشروعات شركة “نيو جيرسي”، حيث تداول المتضررون عبر منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات مخصصة للمتابعة القانونية عشرات الروايات المتشابهة حول التأخر في التنفيذ وعدم وضوح الجداول الزمنية للتسليم.
وتنوعت الشكاوى بين عملاء دفعوا مقدمات كبيرة دون أن يشهدوا أي تقدم فعلي في مواقع البناء، وآخرين قالوا إنهم يواجهون صعوبات في التواصل أو الحصول على ردود رسمية، ما جعل هذه المشروعات ضمن أكثر الملفات المثيرة للجدل في سوق التطوير العقاري حاليًا.
قالت دينا كريم، واحدة من المتضررين من شركة “نيو جيرسي” للتطوير العقاري، إنها عانت وما تزال تعاني من سلسلة طويلة من التأجيلات وعدم تنفيذ بنود التعاقد، رغم التزامها الكامل بسداد ما طُلب منها من دفعات.
وأوضحت أنها لم تجد أمامها سوى اللجوء إلى الإجراءات القانونية لاسترداد حقها، بعد أن فقدت الثقة في الوعود المتكررة بالتسليم، مؤكدة أن تجربتها ليست حالة فردية بل جزءًا من مشكلة أوسع يواجهها مئات العملاء.
بينما تقول صفاء محمد أحمد، إن ما يحدث في العاصمة الإدارية أصبح أشبه بـ”فوضى بلا رقابة”، مشيرة إلى أنها حاجزة في مشروع “ذا سيتي”، منذ عام 2017، وكان من المفترض أن يتم التسليم في 2020، لكن الواقع على حد وصفها “لا يشهد أي أعمال حقيقية على الأرض”.
وتؤكد أن الشركة حصلت على الأموال دون أن تقدّم أي متابعة أو تواصل جاد مع المطوّر، مما جعلها ومعها عشرات العملاء يشعرون بأنهم وقعوا ضحية عملية استنزاف امتدت لسنوات دون أفق واضح.
اللافت أن أغلب الضحايا ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، التي أودعت مدخراتها في هذه المشاريع أملاً في مستقبل أكثر استقرارًا، قبل أن تتحول الأحلام إلى قضايا ومرافعات.
ورغم حدة الاتهامات، فإن الشركة تؤكد في بياناتها أنها ملتزمة بتنفيذ مشروعاتها وفق الجداول الزمنية المعلنة، وأن بعض التأخيرات مرتبطة بأوضاع السوق وتعقيدات التراخيص.
تقرير حديث عن غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات أوضح أن السوق تشهد خلال العامين الأخيرين زيادة تتجاوز 35% في عدد الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في التطوير العقاري، كثير منها غير مسجل رسميًا أو يعمل بملاءة مالية محدودة، ما يرفع خطر التعثر ويعمّق فقدان الثقة في السوق.
في الوقت نفسه، أشار جهاز حماية المستهلك في بيان سابق إلى أنه تلقى خلال عام واحد أكثر من 900 شكوى متعلقة بالتأخر في التسليم أو الغش في التعاقدات العقارية، مؤكدًا أن الجهاز يتعامل مع هذه القضايا بالتنسيق مع النيابة العامة لضمان حقوق المستهلكين.
الشافعي: مايحدث هو خلل عميق في بنية القطاع
قال الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي، إن ما يحدث في سوق العقارات اليوم لم يعد مجرد تعثّر في تسليم بعض المشروعات، بل أصبح ظاهرة تُنذر بخلل عميق في بنية القطاع فهناك شركات طرحت مشروعات ضخمة دون امتلاك القدرة المالية أو الفنية على تنفيذها.
وأضاف: واستندت إلى حملات دعائية مكثفة كبديل عن وجود إنجاز حقيقي على الأرض، الأمر الذي جعل كثيرًا من المواطنين يجدون أنفسهم أمام مشروعات لم تتجاوز حدود الأوراق بينما مدخراتهم أصبحت رهينة لوعود تتغير باستمرار.
وأكد الشافعي، في تصريح خاص لـ موقع “القصة”، أن الأزمة الراهنة كشفت الحاجة الملحّة إلى إطار تنظيمي أكثر صرامة يضمن ألا يُسمح لأي شركة بطرح وحدات للبيع قبل إثبات ملاءتها المالية والبدء الفعلي في التنفيذ وفق نسب محددة وواضحة. كما شدّد على أن إنشاء نظام موحد للترخيص وربط بيانات المشروعات إلكترونيًا بات ضرورة لحماية المستهلك من الإعلانات المضللة وإعادة الانضباط للسوق العقاري، الذي يمثل أحد الأعمدة الحيوية للاقتصاد المصري.
وأوضح أن استمرار الفجوة الحالية بين ما يُعلن وما يُنفَّذ يهدد الثقة العامة في القطاع، ويضع آلاف الأسر في مواجهة مصير مالي مجهول، بينما تتحمل الطبقة المتوسطة العبء الأكبر من هذه الممارسات. وأضاف أن الإصلاح لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وضمان عدم تحول حلم السكن إلى فخ يستنزف مدخرات المواطنين.
لكن خلف هذه الأرقام تكمن مأساة إنسانية واقتصادية حقيقية. آلاف الأسر التي دفعت مقدمات شققها تعيش اليوم بين أمل القضاء وخوف الإفلاس، بعدما تبخّرت أحلامهم في مشاريع لم تر النور.
بزنس الوهم العقاري تتطلب إصلاحًا متكاملًا يبدأ بتشديد شروط الترخيص، وإلزام الشركات بنشر أرقام تراخيصها في كل إعلان، وتفعيل نظام ربط إلكتروني يتيح للمواطن التحقق من بيانات المشروع قبل الدفع.