في قرار غير مألوف، اتخذت الشركة السعودية المصرية للاستثمار مسارًا غير اعتيادي ببيع كامل حصتها في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، تلك الصفقة كانت بمثابة المشهد الأخير لتسليم الشركة إلى شركة بلاك كاسبيان لوجيستكس هولدينج ليمتد.
تفاصيل الصفقة ترجع إلى أغسطس 2022، حيث تم بيع 19.33% من ملكية شركة الإسكندرية لتداول الحاويات، وهي شركة وطنية، إلى الصندوق السيادي السعودي بقيمة بلغت 3.02 مليار جنيه. ثم في نوفمبر 2025، انتقلت الحصة نفسها من الصندوق السيادي السعودي إلى مجموعة موانئ أبو ظبي الإماراتية مقابل مبلغ قدره 13.23 مليار جنيه، وهو ما يمثّل زيادة في القيمة تُقارب 4.38 مرة خلال أقل من ثلاث سنوات.
يوضح القبطان عمرو قطايا، رئيس مجلس إدارة شركة لاند مارين، في تصريحات خاصة لموقع “القصة”، أن الارتفاع الكبير في قيمة الأسهم يعود إلى عدة عوامل، من بينها تحسّن الأداء المالي والتشغيلي للشركة الذي قد يكون نتيجة للتوسع أو زيادة الكفاءة، بالإضافة إلى تأثير الظروف الاقتصادية الإيجابية التي ربما دفعت إلى زيادة قيمة الحصة المطروحة. كما أن نمو القطاع أو تنفيذ استثمارات مميزة داخل الشركة قد يكون له دور مباشر في رفع قيمة أسهمها
وأوضح الدكتور السيد قاسم، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريعي، أن الاستثمار بين الدول يعتمد على الجغرافيا الاقتصادية للبحث عن الفرص المثمرة.
وفي هذا الإطار، تأتي العوامل السياسية الدولية لتؤثر مباشرة على الاقتصاد، الذي يعد المحرك الأساسي للمجتمعات، ما يؤدي إلى تشكيل نظم سياسية وآليات قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية تتعلق بالأمن الاقتصادي.
وفي تصريح خاص، أشار إلى عملية استحواذ حديثة، حيث نفذت الشركة السعودية المصرية للاستثمار صفقة يوم الخميس الموافق 20 نوفمبر 2025، تضمنت بيع كامل حصتها بشركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع لصالح شركة بلاك كاسبيان لوجيستكس هولدينج ليمتد وفقاً للأنظمة واللوائح المنظمة لسوق المال المصري.
كما أضاف أن الشركة السعودية المصرية للاستثمار، التي تأسست في أغسطس 2022 وتملكها بالكامل صندوق الاستثمارات العامة السعودي، تهدف إلى الاستثمار في مجالات متنوعة داخل مصر تشمل البنية التحتية، التطوير العقاري، الرعاية الصحية، الخدمات المالية، الصناعات الغذائية والزراعية.
وأكد أن شركة بلاك كاسبيان لوجيستيكس هولدينج ليمتد أتمت عملية الاستحواذ الكبرى على 19.32% من أسهم شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع عبر شراء 575.9 مليون سهم. مع هذه الصفقة، وصلت ملكيتها إلى 51% من إجمالي الأسهم في الشركة، مما يعزز خططها للتوسع في قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية في المنطقة.
وأضاف أن هذه الصفقة كان لها تأثير ملحوظ على سوق المال المصري، حيث ارتفع سهم شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع بنسبة 5% خلال جلسة التداول يوم الخميس نتيجة تنفيذ صفقة بلغت قيمتها الإجمالية 13.2 مليار جنيه.
وختم تصريحاته بالإشارة إلى التخارجات السابقة للشركة السعودية المصرية للاستثمار من السوق المصري. ففي أكتوبر 2025 خفضت الشركة السعودية المصرية للاستثمارات الصناعية حصتها بشركة فاركوماك للصناعات الطبية المتطورة من 38% إلى 8%، ورغم هذه التحركات، لم يتم الإعلان عن الأسباب الواضحة أو خارطة طريق مؤكدة لتوجهات التخارج المستقبلية للشركة حتى الآن.

وأوضح المهندس إيهاب محمود، الخبير الاقتصادي، أن ما حدث في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات، والذي يتمثل في خروج الجانب السعودي ودخول الجانب الإماراتي، يحمل أهمية كبيرة بسبب الخبرات المتعددة للجانب الإماراتي. هذه الخبرات تشمل ميناء جبل علي، ميناء أبوظبي، وميناء العين السخنة التي تُدار عبر موانئ دبي العالمية.
وأشار إلى أن الجانب الإماراتي، انطلاقًا من هذه الخبرات، قادر على تطوير حصة مملوكة له بحق الانتفاع تُقدر بحوالي 19٪. ويعتبر هذا التحول من أهم التطورات، حيث يتيح للإماراتيين فرصة تطوير الشركة بشكل كبير وتحديد المجالات التي تستحق التطوير لترتقي إلى مستوى محطات تخيا مصر 1 و2، ولكن بأسلوب استثماري مختلف. هذا النهج يعزز ضخ رؤوس الأموال والاستثمارات، ويدفع الخدمات نحو مستويات أكثر تطورًا.
أما الفائدة بالنسبة للسعودية، فقد تمثلت في تحقيق استثمار سريع عبر البيع والشراء، بينما المستفيد النهائي في هذا الأمر هي الدولة المصرية

وأوضح دكتور جمعة حسين، خبير الجمارك والشحن، أن صفقة استحواذ مجموعة موانئ أبوظبي، المملوكة لصندوق أبوظبي السيادي (ADQ)، على 51% من أسهم شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع تُعتبر خطوة هامة لتعزيز حركة التجارة بالمنطقة.
وأشار حسين إلى أن هذا الاتفاق يعكس التوجه نحو زيادة كفاءة سلسلة الإمداد والخدمات اللوجستية في مصر، كما يدعم الربط بين الأسواق الحيوية في آسيا، الشرق الأوسط وأوروبا.
وأشار إلى أن هذا النوع من الاستثمار يُسهم بشكل ملحوظ في تحسين الأداء الإداري والمالي لشركات الموانئ، حيث تُعزز الكوادر والخبرات الدولية الأداء العام للمؤسسة، كما يُعد رفع رأس مال الشركة من مليار جنيه إلى ملياري جنيه من خلال الاعتماد على الاحتياطي النظامي أحد المؤشرات الإيجابية للصفقة، حيث يسهم في تعزيز قدرة الشركة لمواجهة المخاطر المالية وتنفيذ خطط توسعية مستقبلية.
وأكد حسين أن صفقة الاستحواذ تأتي في ظل زيادة عروض الاستثمار الأجنبية بمصر وتحقيق مكاسب ضخمة للمستثمرين نتيجة قوة أداء الشركة، وأثنى على الإعفاء الضريبي الذي تم منحه لصندوق أبوظبي السيادي بناءً على قرار مجلس النواب، معتبرًا أنّ ذلك يوفر بيئة تشريعية مشجعة ويُحفّز على تدفق الاستثمارات غير المباشرة للقطاع اللوجستي المصري.
كما صرّح الدكتور جمعة حسين، خبير الجمارك والشحن، أن شركة دي بي وورلد “DP World”، الإماراتية العالمية والرائدة في إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية، تُعد واحدة من أبرز الشركات المتخصصة في تشغيل الموانئ وتقديم الحلول اللوجستية المتكاملة على مستوى العالم، وهي ذراع استثماري لحكومة دبي ضمن مجموعة دبي العالمية.
ومن جانب آخر، أشار إلى الدور البارز لشركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، التي تأسست عام 1984، باعتبارها أول محطة متخصصة في مناولة الحاويات بمصر، حيث تدير محطتين رئيسيتين في مينائي الإسكندرية والدخيلة، وتقدم خدمات ذات طابع استراتيجي في تداول وتخزين الحاويات والبضائع والنقل والتخليص الجمركي، موضحا أن الشركة مدرجة في البورصة المصرية منذ عام 1995، مما يُبرز دورها المتميز في الاقتصاد المصري.
وأضاف الدكتور جمعة تعليقًا على الفروقات بين البيع والاستحواذ، أن الاستحواذ يمثّل عملية شراء شركة ما لشركة أخرى مع تحقيق سيطرة كاملة عليها، بينما يعتبر البيع إطارًا أوسع يشمل نقل ملكية الأصول أو الأسهم سواء لشركات أو أفراد.
وبيّن أن الاستحواذ هو جزء من عمليات البيع ولكنه يختلف عنه من ناحية التفاصيل التشغيلية والإدارية، مشيرًا إلى أن مفهوم البيع يمكن أن يتضمن أيضًا اندماجات أو بيع أصول جزئية.
واختتم حسين قائلاً، إن هذه الخطوة تُثبت مجددًا أهمية الشراكات الاستراتيجية بين الصناديق السيادية العالمية والحكومة المصرية في تعزيز وتطوير البنية التحتية اللوجستية للنقل والموانئ، بما يُعزز مكانة مصر كمحور رئيسي للتجارة الدولية.