أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

محمد حماد

مصر عند حافة الإمكان (1)

محمد حماد

ليس لمصر أن تغضّ الطرف عمّا جرى في الانتخابات الأخيرة، سواء كانت انتخابات مجلس الشيوخ أو مجلس النواب، فالمسألة لا تتعلق فقط بما يمكن أن يُبطل قانونيًا، بل بما سبق ذلك من بطلان سياسي يضع شرعية العملية كلها تحت سؤال لا يجوز تجاهله.

نحن أمام لحظة فارقة، لحظة تتجاوز الحسابات الصغيرة إلى سؤال المصير، لسنا بصدد جردة إخفاقات، فالمأزق أكبر من تسجيل نقاط والخروج بإدانة هنا أو تبرئة هناك، نحن نكتب لأن الضمير الوطني يفرض علينا أن نكتب، ولأن ما يواجهه البلد اليوم لا يسمح لصاحب رأي أن يصمت، ولا لصاحب قرار أن يتجاهل.

مصر تقف الآن عند حافة الخطر، لكنها – في مفارقة لا تُخطئها عين – تقف في الوقت نفسه عند حافة الإمكان، الفرصة ليست واسعة ولا مضمونة، وربما تكون الأخيرة التي تتيح لنا الانتقال من منطقة المخاطر المفتوحة إلى منطقة الممكنات التي تستحقها دولة بحجم مصر، هذه هي الفكرة التي تفرض نفسها على جدول أعمال السلطة كما تفرض نفسها على ضمير المعارضة.

أخبار ذات صلة

images (3)
ريمونتادا عسكرية في قلب الدفاع الجوي.. الجيش الملكي يُنهي أحلام بيراميدز القارية بسيناريو مثير
IMG_2925
ثائر ديب يكتب عن أمه: شامةُ ثديها رايتي
IMG_2899
وداد نبي تكتب عن أمها: مرثية لزمنٍ لن يعود

لابد أن نعترف أولًا أننا أمام مأزق كبير، مأزق لا يجوز تبسيطه ولا يجوز تحميله لطرف واحد. فالمسؤولية فيه لا تقتصر على السلطة وحدها، مهما كانت أخطاؤها جسيمة، لأن المعارضة بدورها تتحمل نصيبًا لا يُنكر من هذا التعثر؛ قصورًا في الرؤية حينًا، وتردّدًا في الموقف حينًا آخر، وفشلًا في تقديم البديل حين كان البديل ضرورة لا رفاهية.

مصر ليست بحاجة إلى معجزة بقدر ما هي بحاجة إلى “عقل سياسي جديد” يُعيد ضبط الطاقة الكامنة في المجتمع، تلك الطاقة التي تُهدر حين تُترك تتبدد في الفراغ، وتتحول إلى ضغط مكبوت حين تُترك تتكدس تحت السطح، وهنا تتقاطع مهمتان لا غنى عن إحداهما: معارضة تتجاوز حالة الاحتجاج المستمر إلى حالة الفعل المنظم، وسلطة تنتقل من عقلية الحراسة الدائمة إلى عقلية الشراكة الآمنة.

عند هذه النقطة فقط تصبح السياسة ممكنة من جديد، لا بوصفها إدارة للصراع، بل بوصفها إدارة للمستقبل.

المشهد اليوم يقف فوق حافة دقيقة تكاد تُخطئها العين لو اكتفت بسطح الأحداث، فالمعارضة ـ رغم كل ما اعتراها ـ تقترب من نضج لم تعرفه منذ سنوات طويلة، نضجٌ نابع من إدراك أثمان الغياب لا من مظاهر القوة. والسلطة من جانبها تتراءى لها، بحسابات الضرورة لا من باب الترف السياسي، أن الإغلاق الكامل لم يعد ضمانة، وأن الانفتاح المنضبط قد يكون آخر الجدران المتبقية لحماية الدولة من اهتزازات أعمق.

وفي هذه المسافة الضيقة بين نضجٍ يتشكل وانفتاحٍ يتردد، تتحدد مصائر الدول، من هنا إما أن تتولد السياسة من جديد، بروح مختلفة ومنهج مختلف، أو تتلاشى بما يترك المجال مفتوحًا لانفجار لا يملك أحدٌ السيطرة على نتائجه.

الفرصة المتاحة اليوم قد لا تتكرر، وإذا عادت فربما تأتي بعد انهيار كبير أو هزة عنيفة تعيد تشكيل ملامح الدولة والمجتمع معًا، وحينها لا يكون التغيير اختيارًا، بل محاولة إنقاذ متأخرة تأتي بعد فوات الأوان.

أول ما يلفت النظر في المشهد السياسي اليوم أن المعارضة المصرية، رغم انقساماتها المتوارثة وتشتتها الذي طال أكثر مما ينبغي، بدأت ـ لأول مرة منذ سنوات ـ تقترب من فكرة القيادة المشتركة. ليس بالمعنى التنظيمي الضيق الذي يحكمه الهيكل واللوائح، بل بالمعنى الأعمق: “عقل سياسي واحد” يرى الصورة الكبرى قبل التفاصيل الصغيرة، ويُدرك أن الاحتجاج وحده لا يصنع سياسة، وأن العناد ـ مهما بدا بطولة ـ لا يصنع بديلًا.

هذا التحول، إذا اكتمل واستقرت خطواته، سيُخرج المعارضة من أسر ردّ الفعل إلى ميدان الفعل، ومن الهامش الذي وُضعت فيه إلى مركز الحوار الوطني الحقيقي. فالمعارضة لا تحتاج مظلة أيديولوجية واحدة بقدر ما تحتاج لحظة وعي مشتركة؛ لحظة تدرك فيها أن البلاد في أزمة مركّبة لا ينفع معها التشظي، وأن الناس يريدون من يتحدث بصوتهم لا باسمهم، ومن يعمل على الأرض لا عبر الشاشات.

بهذه الروح يمكن للمعارضة أن تتجاوز وجودها المعنوي إلى قوة اجتماعية، وأن تتحول من تشتت يضيع الوزن إلى كتلة سياسية يمكن التفاوض معها واحترامها.

وإذا استطاعت المعارضة أن تصل ما بين خطابها السياسي والفعل اليومي فسوف تستعيد ما فقدته من شرعية اجتماعية. فالمجتمعات لا تنحاز لمن يرفع الشعارات بحماسة، بل لمن يترك أثرًا في حياتها اليومية.

وحين يبدأ المواطن في رؤية معارضة تخدمه لا تستخدمه، تعمل ولا تكتفي بالبيانات، تنسّق ولا تتناحر، عندها فقط تستعيد المعارضة وزنها الطبيعي، وتتحول من ظلّ على أطراف المعادلة إلى طرف أصيل فيها.

لكن مع كل ما يمكن أن تحرزه المعارضة من نضج وتنظيم ورؤية، تبقى الخطوة الكبرى خارج يدها وحدها. فالمفتاح الأول لأي انتقال سياسي حقيقي لا يزال في يد السلطة؛ لا لأنها الطرف الأقوى فحسب، بل لأنها الطرف الذي يملك مفاتيح القدرة الفعلية على فتح بوابة المجال العام أو إبقائها مؤصدة.

ما يجب أن تعيه السلطة الآن أنها إذ تتبنى انفتاحًا محسوبًا لن تفقد قوتها، بل تعيد تعريف هذه القوة على نحو أعمق وأرسخ. هي ـ على الحقيقة ـ تستبدل قوة الخوف بقوة الشرعية، وتستعيض عن صمت المجتمع باستعادة ثقته، وعن الغلق الكامل بمساحة محسوبة للتنفس تمنع الاحتقان من أن يتحول إلى انفجار.

مصر تحتاج اليوم إلى انفراج عاجل ومدروس: حرية رأي غير مصطنعة ولا موسمية، مساحة حقيقية للتنظيم السلمي، وقواعد واضحة وشفافة للعمل السياسي.

عندها فقط تعود السياسة إلى طبيعتها، ويعود الاحتقان إلى مخابئه الطبيعية، وتعود الدولة إلى قدرتها على امتصاص الصدمات قبل أن تتحول إلى أزمات لا يمكن السيطرة عليها.

حين تفكّ السلطة تلك العقدة، فإنها لا تفتح فقط طريق الإصلاح، بل تسدّ في الوقت نفسه طريق الانفجار. فالانفراج المطلوب ليس دعوة إلى الفوضى، بل هو إعادة السياسة إلى التفاعل بوصفها حوارًا لا صدامًا، وإعادة مؤسسات الدولة إلى أدوارها الطبيعية بعيدًا عن الاحتكار أو التوتر الدائم.

على هذا المسار يمكن للدولة أن تدخل “عقدًا سياسيًا جديدًا” لا تعددية صاخبة تستهلك قواها، ولا إغلاقًا خانقًا يستهلك المجتمع، بل طريق تدرجي يمكن التحكّم في إيقاعه، ويمنح البلد متنفسًا طبيعيًا يعيد الثقة والشرعية والقدرة على التفاوض.

عند هذا المفصل الحرج، يتبدَّى أن الإصلاح السياسي لا يمكن فصله ـ لا نظريًا ولا عمليًا ـ عن الإصلاح الاقتصادي. فالأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر اليوم ليست عثرة عابرة ولا مجرد سوء إدارة في بعض الملفات، بل أزمة نموذج بكامله، نموذج يحتاج إلى إعادة هندسة لا إلى ترقيع.

والسلطة عليها أن تدرك اليوم قبل الغد أن أي تحديث اقتصادي جاد لا يمكن أن ينجح في ظل انغلاق سياسي كامل، وأن الشفافية والرقابة والمساءلة ليست شعارات معارضة، بل ضمانات أساسية لأي إصلاح يريد أن يستمر.

من هنا تبدو الحاجة إلى إطلاق “صفقة إصلاح” تربط بين السياسة والاقتصاد ربطًا عضويًا. صفقة تُعيد فتح المجال السياسي بقدر ما تعيد فتح المجال الاقتصادي، وتحرر النشاط الاقتصادي من الاحتكار والامتيازات غير المعلنة، وتعيد للقطاع الخاص الوطني القدرة على الحركة، وتضمن رقابة تشريعية وقضائية حقيقية تحمي المال العام كما تحمي السوق من الانحراف.

مثل هذه الصفقة ليست مغامرة، بل قد تكون الطريق الأكثر أمانًا وسلامة نحو مستقبل يمكن الوثوق به، مستقبل يتوازن فيه النمو مع العدالة، وتستعيد فيه الدولة احترامها، ويستعيد فيه المجتمع ثقته بأن الإصلاح ليس وعدًا مؤجلًا بل مسارًا بدأ بالفعل.

إن مصر اليوم عند حافة الإمكان، وحافة الإمكان هذه قد تكون بوابة تُفضي إلى مستقبل جديد، وقد تكون هاوية إذا أُهملت لحظتها الحرجة.

في لحظة كهذه، لا يُقاس موقف القوى السياسية بما تقوله في بياناتها، بل بما تفعله في الواقع. ولا يُقاس موقف السلطة بما تعلنه في خطابها، بل بما تمارسه على الأرض. ولا يُقاس المستقبل بالأماني ولا بالتوقعات، بل بالخطوات التي تُتخذ الآن قبل أن يتحول الزمن من فرصة إلى عبء، ومن إمكان إلى خطر، ومن لحظة يمكن إدارتها إلى كارثة لا يمكن احتواؤها.

ما يزال الباب مفتوحًا، وما يزال الممكن ممكنًا، لكن الزمن ـ في هذه اللحظة بالذات ـ أسرع من الجميع، ومن لا يلحق به اليوم قد لا يلحق به غدًا.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG_2878
عماد أبو غازي يكتب: هذه هي أمي
مارسيل خليفة
مارسيل خليفة يكتب عن أمه: ماتيلدا
IMG_2880
إسراء حديري: ابني غير حياتي وأمي صنعت لي "حياة أوسع"
IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم

أقرأ أيضًا

bc0b9f1c-abfa-4425-a08c-c93c9bee8443
الشاعر أحمد طه: عادت طفلة بجلباب أزرق
IMG_2913
رنا التونسي: إلى حياة طه.. أمي وقبلتي الأولى
6696aca5-5aba-4abc-a5b9-608fe6187567
إيمان عبد الرحيم تكتب: قسوة أمي المليئة بالحنان
الكاتبة هبة عبد العليم
الكاتبة هبة عبد العليم: تحكي عن أمها التي اشترت لها أول كتاب