رحل الصديق والأخ محمد هاشم.. الرجل الذي كان مساحة حرّة مشتعلة بالحياة، وملاذًا لكتّاب وجدوا في “ميريت” بيتًا يشبههم أكثر مما تشبه دور النشر.
رحل صاحب الدار التي لم تساوم، ولم تخف، ولم تتخلّ يومًا عن شغبها الإبداعي، ولا عن يقينها بأن الأدب فعل مقاومة قبل أن يكون ورقًا وحبرًا.
كان هاشم واحدًا من أصدق الوجوه في المشهد الثقافي المصري والعربي؛ وجهًا تعرفه الكتب مثلما تعرفه المظاهرات والميادين والمقاهي القديمة.
عاش حياته كما يريد هو، لا كما يُفترض أن يعيش ناشر تقليدي داخل منظومة مغلقة، اختار الحرية طريقًا، وفتح باب «ميريت» لكل صوت غير مطمئن، ولكل كاتب يحارب ليجد مكانًا، ولكل نص يتوق لأن يرى النور دون أن يُقصقَص أو يُهذّب أو يُفقد من روحه.
وبينما رحل كثيرون تاركين وراءهم كتبًا، ترك هاشم دارًا صنعت موجة كاملة من الكتابة الجديدة، ودفعت بجيل كامل إلى الواجهة، وأصرت على أن الثقافة ليست ديكورًا ولا واجهة رسمية، لكنها فعل حياة وفعل مواجهة.
محمد هاشم كان روحًا تمشي في شوارع وسط البلد؛ يعرف الناس ويعرفونه، يتذكّر تفاصيلهم الصغيرة ويؤمن بقدرتهم قبل أن يؤمنوا هم بأنفسهم.
كانت ميريت امتدادًا لطبع.. دارًا مفتوحة الأبواب، صاخبة بالنقاش، مشتعلة بالأسئلة، وممتلئة بتجارب شابة تبحث عن مخرج من ثقافة القوالب، كان يؤمن أن الكتابة قدرٌ ومعركة، وأن دور الناشر ليس البيع، بل حماية الحرية التي لا يولد الأدب من دونها.
كان هاشم حاضرًا في كل لحظة فيها أي تهديد لصوت الحرية، كان يقف في الصفوف الأمامية من كل وقفة احتجاجية، وفي قلب كل نقاش حول حرية الإبداع، يساند الكتاب والصحفيين والفنانين، ويقف إلى جوار الشباب حين يضيق بهم المجال العام. لم يساوم في مواقفه، ولم يتراجع عن دعم من ٱمن بهم.
ولأن الوجوه التي تشبه الشوارع لا تموت، سيظل محمد هاشم حاضرًا في قدرته النادرة على أن يجعل من دار نشر صغيرة مساحة حرية كبيرة، سيبقى في ذاكرة القرّاء، وفي خطوات الكتّاب الذين فتح لهم الباب، وفي كل كتاب خرج من «ميريت» يحمل ذلك النفس المتمرّد الذي آمن بأن الأدب لا يُكتب من وراء حواجز الخوف.
مع السلامة يا هاشم.. وجعت قلوبنا، يا راجل يا طيب.