في قاعة حفل تخريج أطباء البورد الفلسطيني بغزة، لم تكن المقاعد الفارغة مجرد كراسٍ بلا أحد، بل كانت شواهد صامتة على الشجاعة والتضحية والفقد الذي يعيشه القطاع الصحي، كل مقعد فارغ كان يحمل اسم طبيب أو طبيبة رحلوا قبل أن ينالوا شهادتهم، تاركين وراءهم فراغا يحكي قصة الألم، والإصرار، والأمل المستمر.
وسط فرحة التخرج التي طال انتظارها، امتزجت ابتسامات الأطباء الجدد بدموع الفقد، وهم يشعرون بوجود زملائهم و أساتذتهم بروحهم بين الحاضرين، كانت المقاعد الفارغة رسالة صامتة لكنها أقوى من أي خطاب رسمي: العلم لم يمت، والطب لم ينكسر، والذين رحلوا يظلون حاضرين في كل خطوة نحو الحياة والخدمة الإنسانية.
هذا الحفل لم يكن مجرد مناسبة أكاديمية، بل رمزًا للصمود الفلسطيني، وعهدا مستمراً بأن الكوادر الطبية ستكمل المسيرة رغم الحروب والصعوبات والغياب، بين فرحة الإنجاز وحزن الفقد، جلس الأطباء الجدد وهم يدركون أن شهادتهم اليوم ليست مجرد وثيقة مهنية، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية، وعهد بأن يكونوا أوفياء للغائبين الذين أضاءوا الطريق قبلهم.
يروي لنا الدكتور أحمد عاشور، أحد الأطباء الجدد الحاصلين على البورد الفلسطيني، تجربته الكاملة بكل صدق وشفافية.
المشوار والصعوبات
“بداية انضمامي لبرنامج البورد الفلسطيني كانت بدافع تطوير نفسي مهنياً حتى أستطيع تقديم خدمة طبية آمنة وعالية الجودة لمرضانا، كنت أعمل قبل البورد و أتعامل مع المرضى و أبني خبرة عملية، لكن برنامج البورد نقلنا نقلة نوعية علمياً ومهاريا”.
“المسار لم يكن سهلاً، فالوضع الصحي في بلادنا معقد جدًا، من صعوبة السفر للمؤتمرات، قلة الإمكانات، إضافة إلى محدودية الوسائل التشخيصية والعلاجية التي حرمت المرضى أولا من حقهم الكامل في العلاج، وحرمت المتدربين من مساحات تدريب أوسع ومع ذلك، كان وجود أساتذة أكفاء يحاولون جسر الفجوة بين الواقع الصعب ومتطلبات التدريب عامل دعم كبير لنا”.
“ثم جاءت الحروب المتتالية التي وضعت المنظومة الصحية كلها في حالة طوارئ مستمرة، وكان آخرها الحرب الأخيرة التي غيرت كل شيء”
إحساس المقاعد الفارغة
يكمل عاشور أنه “منذ اللحظة الأولى في المكان شعرت بإحساس لم أعرفه من قبل، فرح انتظرناه طويلا ممزوج بحزن عميق وفقد كبير، تذكرت أساتذتنا و زملاءنا الذين رحلوا، ومنهم أستاذنا الدكتور رأفت لبد، والدكتور مروان السلطان، والدكتور همام اللوح، وزميلتنا الدكتورة تسنيم أبو لبدة، و زميلنا اادكتورة سائد درابية وغيرهم، شعرت أنهم معنا بأرواحهم وأن هذه اللحظة تحمل أسماءهم قبل أسمائنا.”
رسالة المقاعد الفارغة
وبالحديث عن الرسالة الأساسية من المقاعد الفارغة يقول: “كانت تقول إن هناك أناساً كان يجب أن يكونوا بيننا، لكنهم أكملوا الطريق بدمهم قبل أن يكملوا بشهادتهم، كانت رسالة صامتة لكنها أقوى من أي خطاب: العلم لم يمت، والطب لم ينكسر.”
الغياب وتأثيره الشخصي
ويوضح “نعم، بعضهم أساتذة تعلمنا على أيديهم وبعضهم زملاء عملنا معهم ليلًا ونهاراً، غيابهم جعل الإنجاز يحمل طابع الأمانة والمسؤولية، وليس مجرد نجاح شخصي.”
فرحة التخرج وحزن الفقد
يصف شعوره قائلاً: “هي مزيج حقيقي بين الاثنين، فرح لأننا انتصرنا للعلم والحياة رغم كل شيء، وحزن لأن من يستحقون الوقوف معنا ليسوا هنا اليوم، الطبيب الفلسطيني يتعلم أن يواصل الطريق رغم الألم.”
تجربة البورد خلال الحرب
يقول الطبيب أحمد عاشور عن تجربته مع البورد خلال الحرب إنها “استثنائية جدًا، أصعب ما فيها الجانب الإنساني: فقد الزملاء والمرضى والشعور الدائم بالخطر، والعمل في منظومة صحية مستهدفة، مهنياً اشتغلنا بإمكانات محدودة لكن بإرادة لا حدود لها.”
رسالة إلى العالم
يوجهه عاشور رسالته قائلاً: “هذه رسالة للعالم بأن هذا الشعب يستحق الحياة، ورسالة للأطباء بأنكم لستم وحدكم، ورسالة للغائبين بأن ذكراكم حاضرة وأننا سنكمل عنكم.”
معنى شهادة البورد اليوم
يشير إلى أنه”لم تعد شهادة مهنية فقط… أصبحت مسؤولية أخلاقية وإنسانية، و عهداً بأن نخدم أهلنا بضمير، ونكون أوفياء لزملائنا الذين رحلوا.”
العهد الصامت للاستمرار
واختتم قائلاً: “نعم، هو عهد صامت لكنه حقيقي، سنترجمه بالعمل الجاد، بخدمة شعبنا، بتدريب من بعدنا، و بالبقاء في الميدان ما استطعنا. اليوم حين نرتدي البالطو نشعر أننا نرتديه عنا وعنهم.”
حفل التخرج لم يكن مجرد مناسبة أكاديمية، بل كان رمزاً للصمود والوفاء والشجاعة الإنسانية، المقاعد الفارغة على المنصة لم تكن مجرد مقاعد، بل كانت صوت كل طبيب رحل، ورسالة أمل لكل طبيب حاضر، و اعترافا بأن العلم والحياة مستمران رغم كل الصعوبات و الحروب التي عصفت بغزة.