أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

عشرينياته التي لم تُعَش

عن أيمن موسى.. وعن زمنٍ يُسلب من أصحابه

هناك أعمار لا تنتهي عند رقم، بل عند بابٍ يُغلق.

وهناك أناس لا يُقاس ما فُقد من حياتهم بالسنوات وحدها، بل بما كان يمكن أن يكون.

أخبار ذات صلة

47c211bd-acf9-49bc-bdf2-0d9ee03719f5
ضربات قاصمة واغتيالات.. هل خسرت إيران الحرب؟
images (3)
ريمونتادا عسكرية في قلب الدفاع الجوي.. الجيش الملكي يُنهي أحلام بيراميدز القارية بسيناريو مثير
IMG_2925
ثائر ديب يكتب عن أمه: شامةُ ثديها رايتي

أيمن موسى واحد من هؤلاء.

دخل السجن في مطلع عشريناته، في العمر الذي يُفترض أن يبدأ فيه الإنسان اختبار الحياة: أن يجرّب، أن يخطئ، أن يتراجع، أن يغيّر مساره، وأن يكتشف نفسه خارج وصاية الخوف. اليوم، انتهت عشريناته كاملة، ولم ينتهِ سجنه. مرّت السنوات واحدة تلو الأخرى، لا كتجربة، بل كعدّادٍ صامت، بينما ظل هو في المكان نفسه، يشيخ ببطء، من دون أن يُسمح له أن يعيش.

أيمن لم يكن بطلًا سياسيًا ولا اسمًا صاخبًا في العناوين.

كان شابًا عاديًا على نحوٍ موجع: طالب هندسة، زميل دراسة، شخصًا يترك أثره في التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في أوراق القضايا. من عرفوه يتذكرونه وهو يشرح الرياضيات لغيره بكرمٍ نادر، يبذل وقته وجهده بلا مقابل، كأن المعرفة شيء يُتشارك لا يُحتكر. ويتذكرونه في صورٍ قديمة، بملامح مفتوحة على العالم، بابتسامة لم تكن تعرف بعدُ معنى الانتظار الطويل.

في تلك الصور، يبدو المستقبل احتمالًا طبيعيًا، لا امتيازًا.

شغلٌ، سفرٌ، علاقات، بيت، حياة تتشكل تدريجيًا، كما يحدث لمعظم الناس. لم يكن يحلم بأكثر من حياة عادية، ولم يكن يعرف أن حتى هذا الحد الأدنى قد يُصادر.

منذ عام 2013، صار الزمن عند أيمن رقمًا، لا معنى.

سنوات تتراكم داخل الجدران نفسها، بينما العالم في الخارج يتغير بلا اكتراث: أصدقاء يكبرون، وجوه تشيخ، مدن تتبدل، وأجيال تدخل الجامعة وتتخرج. أما هو، فبقي معلقًا في لحظة واحدة، كأن الزمن قرر أن يتوقف عنده وحده.

اثنتا عشرة سنة مرّت، وما زال في السجن.

اثنتا عشرة سنة من العمر الواعي، من دون حياة حقيقية، من دون حقٍ في أن يكون شابًا ثم رجلًا على مهل.

الظلم هنا لا يكمن في طول المدة وحده، بل في معناها.

في السنوات التي لا تُعوّض، في العلاقات التي لم تبدأ، في الأحلام التي لم تُختبر حتى تُهزم أو تنجح. السجن لا يحبس الجسد فقط؛ إنه يحبس النسخة الممكنة من الإنسان، تلك التي كان يمكن أن تتشكل لو تُركت للزمن.

وقصة أيمن ليست استثناءً.

في مصر، هناك عشرات، بل مئات، انتهت عشريناتهم داخل السجون. شباب وبنات، وأحيانًا أناس في منتصف العمر أو آخره، تُركوا في حالة تعليق قاسية: لا حياة تُعاش، ولا نهاية تُرى. لم يُمنحوا رفاهية الخطأ ولا فرصة التصحيح، فدُفعت أعمارهم كاملة ثمنًا لشيء أكبر منهم.

أكتب هذا، وأنا لستُ مراقبة من بعيد.

أنا واحدة ممن مرّوا بتجربة السجن. قضيتُ هناك عامًا وأربعة أشهر فقط، مقارنة باثنتي عشرة سنة ما زالت مستمرة في حياة أيمن. لكنها كانت كافية لتغيّر كل شيء: ماضيَّ، وحاضري، وصورتي عن المستقبل. السجن لا يمرّ على الإنسان ثم يتركه كما كان. إنه يعيد تشكيل الذاكرة، ويكسر الإحساس بالأمان، ويزرع خوفًا عميقًا من الزمن نفسه.

من خرجوا من السجن، سواء بعد سنة أو عشر، لن “يتعافوا” تمامًا من التجربة.

هذا وهم. الندوب لا تختفي، والذاكرة لا تُمحى. لكن الفارق الجوهري بين من خرجوا ومن ما زالوا هناك هو إمكانية الحياة. نحن على الأقل نملك حق المحاولة: أن نعيش، أن نخطط، أن ننظر إلى المستقبل ولو بحذر. أما من بقوا في السجن، فما زال الزمن يُسحب منهم يومًا بعد يوم، بلا أفق، بلا نهاية واضحة.

ولهذا، فإن بقاء هذا الملف مفتوحًا ليس مجرد مأساة فردية، بل خطر على المجتمع كله.

لا يمكن لبلدٍ أن يكون مستقرًا بينما أجياله معلّقة خلف القضبان. لا يمكن الحديث عن مستقبل، بينما الماضي يُعاد إنتاجه يوميًا داخل السجون. الحرية هنا ليست شعارًا أخلاقيًا ولا ترفًا سياسيًا؛ إنها شرط أساسي لأي دولة تريد أن تعيش بسلام مع نفسها.

أن يظل أيمن موسى في السجن حتى اليوم، بعد أن انتهت عشريناته كاملة، هو تذكير قاسٍ بأن هناك خللًا عميقًا في معنى العدالة، وفي طريقة تعاملنا مع الزمن الإنساني. الزمن ليس موردًا لا ينتهي، والعمر الذي يُسلب لا يمكن تعويضه لاحقًا بقرارات متأخرة.

أيمن ما زال هناك.

وما زال كثيرون غيره هناك أيضًا.

إغلاق هذا الملف ليس مجاملة لأحد، بل ضرورة.

ضرورة للذين خرجوا كي يتمكنوا من التعافي النسبي، وللذين ما زالوا في الداخل كي تُنقذ ما تبقى من أعمارهم، وللدولة نفسها كي تستعيد معناها واستقرارها.

الحرية لأيمن موسى.

والحرية لكل من سُرقت أعمارهم وهم ينتظرون أن تبدأ حياتهم.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG_2899
وداد نبي تكتب عن أمها: مرثية لزمنٍ لن يعود
IMG_2878
عماد أبو غازي يكتب: هذه هي أمي
مارسيل خليفة
مارسيل خليفة يكتب عن أمه: ماتيلدا
IMG_2880
إسراء حديري: ابني غير حياتي وأمي صنعت لي "حياة أوسع"

أقرأ أيضًا

IMG_2881
رنا التونسي تكتب: أمهات ينظرن إلى العالم
bc0b9f1c-abfa-4425-a08c-c93c9bee8443
الشاعر أحمد طه: عادت طفلة بجلباب أزرق
IMG_2913
رنا التونسي: إلى حياة طه.. أمي وقبلتي الأولى
6696aca5-5aba-4abc-a5b9-608fe6187567
إيمان عبد الرحيم تكتب: قسوة أمي المليئة بالحنان