في شقة صغيرة بالقاهرة تجلس فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها، تراجع خطة دراستها للماجستير بينما يرن هاتفها بسؤال متكرر من العائلة «هتتجوزي إمتى؟».
في مدينة أخرى يحزم شاب حقائبه استعدادًا للسفر إلى الخليج ويؤجل فكرة الارتباط إلى حين «الاستقرار».
المشهد يتكرر بأشكال مختلفة، لكن المضمون واحد، جيل كامل لا يرفض الزواج بقدر ما يرفض التعجل فيه.
وسط التقلبات.. الزواج مشروع مؤقت
بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تشير إلى تغيرات واضحة في خريطة الزواج في مصر خلال السنوات الأخيرة، فقد انخفض عدد عقود الزواج مقارنة بسنوات سابقة مع استمرار ارتفاع معدلات الطلاق، كما ارتفع متوسط سن الزواج لأول مرة لدى الجنسين وهو ما يعكس تحولًا في توقيت القرار وأولوياته أكثر من كونه قطيعة مع الفكرة نفسها.
وفي ظل اقتصاد متقلب وسوق عمل تنافسي وثقافة أكثر انفتاحًا، لم يعد الزواج حدثًا حتميًا بعد التخرج بل أصبح مشروعًا مؤجلًا إلى أن تكتمل شروطه من وجهة نظر أصحابه، الأرقام الرسمية تؤكد التغير والتحليلات الاجتماعية تفسره لكن الحقيقة الأعمق تكمن في تحول الوعي نفسه.
الطموح المهني يعيد ترتيب المعادلة
يرى الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن مؤسسة الزواج لم تعد أولوية أولى لدى الشباب لأن المسار المهني أصبح في المقدمة، الشاب يريد أن يثبت نفسه ماديًا ويسافر ويحقق مكانة اجتماعية، والفتاة بدورها لم تعد تنتظر بل تخطط لمسارها الوظيفي وتطمح لمنصب أفضل ودخل أعلى.
الوظيفة المستقرة لم تعد أمرًا سهلًا والسكن أصبح مكلفًا وتكاليف الزواج ارتفعت بصورة كبيرة، لذلك بات القرار مؤجلًا إلى حين تحقيق قدر من الأمان الاقتصادي وهو ما يجعل عبارة «لما أكون نفسي الأول» تتردد كثيرًا في أحاديث الشباب.
الطلاق يغير صورة الزواج
ارتفاع نسب الطلاق خلق ما يشبه الذاكرة الاجتماعية القلقة، كثير من الشباب ينظرون إلى تجارب محيطة بهم انتهت بصراعات ومحاكم وخسائر نفسية ومادية، فيتولد سؤال داخلي هل أستطيع تحمل هذه المخاطرة؟
سعيد صادق يشير إلى أن تكرار قصص الانفصال في الدوائر القريبة جعل بعض الشباب يتعامل مع الزواج بحذر شديد، بل وبتوجس أحيانًا وهو ما يبطئ قرار الارتباط حتى مع توافر الإمكانيات.
بين الساعة البيولوجية وحق الاختيار
توضح الدكتورة سامية خضر أستاذة علم الاجتماع أن الفتاة ما زالت تواجه ضغطًا مضاعفًا فالمجتمع يتعامل مع تأخر زواجها باعتباره مشكلة، بينما يُمنح الشاب مساحة أوسع لتأجيل القرار غير أن المعادلة تغيرت كثيرًا لأن الفتيات أصبحن أكثر تعليمًا واستقلالًا اقتصاديًا ولم يعد الزواج هو المسار الوحيد لتحقيق الأمان
تقول “خضر” إن كثيرًا من الطالبات يفضلن إنهاء الدراسات العليا أو تثبيت أقدامهن في سوق العمل قبل التفكير في الارتباط كما أن دوائر الاختيار أصبحت أوسع في مجتمع مفتوح عبر وسائل التواصل وهو ما يجعل عملية البحث عن الشريك أكثر تعمقًا وأطول زمنًا.
الزواج لم يعد خطوة تلقائية
الجيل الحالي لا ينكر أهمية الزواج لكنه يتعامل معه باعتباره قرارًا يحتاج شروطًا واضحة الاستقرار المادي التوافق النفسي مساحة الحرية وتحقيق الذات، كلها عناصر تدخل في الحسابات الجديدة لم يعد السؤال متى أتزوج بل هل أنا مستعد فعلًا
في المدن الكبرى يبدو هذا التحول أكثر وضوحًا بينما ما تزال بعض المناطق الريفية تحافظ على أنماط زواج مبكر مدفوعة باعتبارات اقتصادية وثقافية مختلفة، وهو ما يعكس فجوة بين بيئات اجتماعية متعددة داخل المجتمع الواحد.
في ظل اقتصاد متقلب وسوق عمل تنافسي وثقافة أكثر انفتاحًا لم يعد الزواج حدثًا حتميًا بعد التخرج، بل أصبح مشروعًا مؤجلًا إلى أن تكتمل شروطه من وجهة نظر أصحابه الأرقام الرسمية تؤكد التغير والتحليلات الاجتماعية تفسره لكن الحقيقة الأعمق تكمن في تحول الوعي نفسه
وأخيرًا.. جيل العشرينات لا يهرب من الزواج بل يعيد تعريفه يبحث عن شراكة تحقق الإضافة لا العبء وعن علاقة تقوم على الاختيار لا الضغط وربما يكون السؤال الأصدق اليوم ليس لماذا يرفض الشباب الزواج بل كيف تغيرت الحياة بحيث أصبح القرار يحتاج كل هذا التفكير.