أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

بين السكرول والسرد.. ذاكرة بلا بيوت

إسراء عبد الحافظ

كيف أفقدتنا الشاشة حكايتنا؟

نحن لا نتذكر أياماً بل لحظات واللحظة لا تصير يوماً إلا إذا وجدت من يرويها.

تلك اليد التي تمسك الهاتف لا تكف عن الحركة إبهام يرتفع وينخفض بإيقاع شبه آلي وشاشة تنزلق بلا توقف وفيديو لقط يلعب وآخر لشيف يقطع خضاراً ليعد طعاماً وثالث يصنع محتوي لفلسفة مختزلة في ثلاثين ثانية وأسرة تجلس على مائدة تتناول الطعام بجوار أبنائها ثم منظر طبيعي ثم وجه يبكي وآخر يضحك وآخرون يرقصون ثم إعلان و كل شيء يمر ولا شيء يبقى.

أخبار ذات صلة

IMG_3052
ماذا يعني تهديد إيران بالانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية؟
IMG_2493
أن تكوني وحدك.. تهمة في وطنك
أعلام الاتحاد الأوروبي
بينما تشتعل أسعار الطاقة والغذاء | الشارع الأوروبي يصرخ: "هذه ليست حروبنا".. هل بدأت أوروبا مرحلة العصيان؟

وبعد ساعة من هذا السكرول اللانهائي تُطفئ الشاشة وتحاول أن تتذكر ما رأيت فلا تجد سوى غباش أو إحساس غامض بأنك فعلت شيئاً دون أن تكون عشت شيئاً وهذه ليست مجرد عادة سيئة إنها أزمة وجودية صامتة نحن نعيش في زمن مبعثر زمن لا يترك أثر ، زمن لم نعد نملك له حكاية.

يميز الفلاسفة بين شكلين من الزمن “الزمن الكوزمولوجي” الذي تقيسه الساعات و”الزمن الوجودي” الذي نقيسه بالمعنى لكن هناك فارق أعمق فالزمن الذي نعيشه بوصفه انطباعات متتالية لا يصير زمن حقيقي إلا عندما يتحول إلى حكاية.

وهنا يأتي دور بول ريكور ذلك الفيلسوف الذي أمضى حياته يفكك العلاقة بين الزمن والسرد في كتابه الثلاثي “الزمن والسرد” حيث يضع ريكور أطروحته المركزية في جدلية لا تنفصم بين الزمن المباشر الذي نعيشه في سيوله والزمن المروي الذي نعيد تشكيله عبر الحكي فالأول فوضوي متدفق لا شكل له والثاني هو الذي يمنحه البداية والوسط والنهاية هو الذي يحول الحدث إلى مغزى والذي يجعل من مرور الوقت شيئاً يمكن فهمه بل يمكن احتماله.

يقول ريكور “بين زمن مجرد من السرد وسرد خارج عن الزمن توجد وسيطة هي التجربة الإنسانية” وهذه الوسيطة هي بالضبط ما نفقده اليوم فنحن نعيش زمن غزير بالصور فقير بالحكايات ونستهلك كم هائل من اللحظات دون أن نبني منها خطاً سردياً والنتيجة زمن بلا أثر وذاكرة بلا بيوت.

لطالما اعتقدنا أن الذاكرة هي تسجيل لما نعيشه كأن العين كاميرا والدماغ أرشيف لكن الحقيقة غير ذلك فالذاكرة ليست تسجيل بل إعادة بناء سردية فنحن لا نتذكر ما حدث بل نتذكر الرواية التي بنيناها عما حدث.

وهنا المفارقة لكي نبني رواية ونحتاج إلى وقت للتوقف ووقت للتفكير، وقت لربط السبب بالنتيجة، وقت لوضع المشهد في سياق لكن ثقافة السكرول والريلز تقوم على نقيض ذلك إنها تمنحنا مشاهد بلا سياق ولحظات بلا تاريخ وانفعالات بلا مسار كل مقطع فيديو قصير هو جزيرة سردية قائمة بذاتها لا علاقة لها بما قبلها أو بعدها ونحن كمشاهدين نتنقل بين هذه الجزر بسرعة الضوء دون أن نبني منها جزيرة خاصة بنا أو حتى جزر متقاربة.

إن التذكر الحقيقي لا يحدث إلا عندما نعيد تمثيل الماضي في الحاضر عبر الكلام أي عبر الحكي أما مجرد رؤية الصورة أو مرور الحدث أمامنا فلا يخلق ذاكرة حقيقية بل يخلق انطباعاً سريع الزوال وهذا هو بالضبط مصير معظم ما نستهلكه رقمياً وانطباعات تموت قبل أن تولد ..

هناك فرق دقيق بين أن يمر الزمن وأن نعيش الزمن فالمرور هو مجرد حركة الساعة أما العيش فهو أن يكون للزمن ثقل وأن يكون لمرور الزمن مغزى ونحن في المجتمع الرقمي حوّلنا الزمن إلى سلعة استهلاكية نقول أمضي الوقت كما نقول استهلكت طعام وصار الوقت شيئا نقتله وشيئاً نملأه بالمحتوى لئلا يبقى فارغاً والخوف من الفراغ، ليس خوف من الكسل بل خوف من مواجهة الذات دون سرد يضمها فنحن نملأ الزمن بالمشاهد لئلا نضطر إلى بناء حكاية لكن المفارقة أن هذا الملء هو الذي يجعل الزمن في النهاية فارغ لأن الزمن المملوء بالمشاهد المبعثرة هو زمن بلا شكل وبالتالي بلا ذاكرة أي يشبه كتاب صفحاته كلها صور متفرقة لا رابط بينها جميل من بعيد لكنه لا يروي قصة ولا تبقى منه في النفس سوى تعب التصفح.

كيف نستعيد الزمن المروي؟

لا يمكننا ولا ينبغي لنا أن نرفض الوسائط الجديدة لكن يمكننا أن نستعيد السيادة على علاقتنا بالزمن وهذا يبدأ بفعل بسيط كالتوقف عن السكرول وعن الاستهلاك اللانهائي التوقف عن السماح للخوارزميات بأن تقطع زمننا إلى فتات وتحول الحياة إلى شبح ..

فالتوقف هو بداية السرد لأن معه نجد المسافة اللازمة لنحول ما رأيناه إلى ما فهمناه ونحول الانطباع إلى ذكرى والذكرى إلى حكاية وكل حكاية مهما كانت صغيرة هي انتصار على التفتت وعلينا أن نعيد تعريف الإنتاجية في عصرنا فالإنتاجية الحقيقية ليست أن نستهلك المزيد من المحتوى بل أن ننتج من حياتنا سرد واحد متماسك وأن نعيش يوم يمكننا أن نحكيه في المساء وأن نبني ذاكرة لا تكون مجرد ألبوم صور في الهاتف بل قصة يمكن أن تُروى مرات عديدة فتصير بذلك جزء من هويتنا ..

يقول ريكور “السرد هو حارس الزمن” لأنه يمنحه شكلاً فالزمن المروي هو الزمن الذي يمر خلال تجربتنا الإنسانية هو الذي يكتسب كثافة والذي يصير قابلاً للحمل هو الذي لا يمر دون أن يترك جرح أو نور.

لكن في عصر الصورة المقطعة نحتاج إلى أن نتذكر فالصورة وحدها لا تصنع ذكري والمشهد وحده لا يصنع حكاية نحن نحتاج إلى الزمن الذي يربط بين المشاهد نحتاج إلى الحكي الذي يمنحها معنى نحتاج إلى الصمت الذي يسمح للذاكرة بأن تنمو.

لعل أهم مهارة في القرن الحادي والعشرين لا تكمن في البراعة التقنية لكنها في القدرة على السرد الطويل وأن تجلس مع نفسك أو مع من تحب وتحكي وتمنح الزمن فرصته ليتحول من تدفق مجهول إلى قصة مألوفة أن تحول مر الوقت إلى عشنا حياة لأن فقط عندما نروي نتذكر وعندما نتذكر نصير كائنات بشرية بالمعنى العميق للكلمة وليس المهم أن تعيش طويلاً بل أن تجعل من حياتك حكاية تستحق أن تُروى.

هذا المقال هو الحلقة الأولى في سلسلة مقالات متتالية تحت عنوان “السرد والأصل” حيث نناقش الهوية السردية ..

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

علم مصر
مصر تنجح في نقل 10 جثامين وإعادة 319 مواطنا من الكويت
سعر الذهب يسجل ارتفاعا للأسبوع الـ7 على التوالى
ارتفاع مفاجئ للذهب عالميًا بعد تراجع طفيف.. والأسواق المصرية تنتظر التحديث
إسراء عبد الحافظ
بين السكرول والسرد.. ذاكرة بلا بيوت
IMG_3041
بعد الحديث عن انخفاض الأسعار.. الطماطم تتجاوز 30 جنيهًا في بعض الأسواق

أقرأ أيضًا

IMG-20260329-WA0006
كفاية ضحك.. خلينا نطق
f6738e05-b6ec-41a4-93c6-83b91d2d74bd
محمد نور يكتب: “الحرب” تكشف دعاية “ترامب”.. ولم ينتصر أحد
att
محمود فؤاد يكتب عن: ضغوط شركات الدواء لرفع الأسعار
IMG_9760
منال لاشين تكتب: إبعاد الحرائق عن قبة مجلس النواب