في كل مرة تنفجر فيها ماسورة مياه، أو تبتلع “بلاعة” مفتوحة حلم طفل، يبحث الجميع عن عضو المجلس المحلي ليحاسبوه، فلا يجدون إلا صدى أصواتهم.
مر أكثر من عقد، ومشاريع قوانين الإدارة المحلية تنتقل من “درج” إلى الآخر داخل أروقة الحكومة، وكأن وجع الناس وحقوقهم في خدمات آدمية يمكن تأجيلها بقرار سياسي.
وعندما غابت المحليات، ولدت في الشوارع سلطات موازية لا تعرف القانون، من “سريح الأنابيب” الذي يفرض إتاوته، إلى “السايس” الذي يمتلك الرصيف، وصولاً إلى “بائعوا الأسواق” الذين ينهشون ميزانية الصبر لدى المواطن.
متى غابت المجالس المحلية؟
منذ أكثر من عقد ونصف، تعيش الإدارة المحلية في مصر حالة شلل صامت، بدأت في 3 يوليو 2011 حين أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمها بحل المجالس المحلية عقب ثورة 25 يناير، ليكون ذلك اليوم آخر نفس لمنظومة رقابية كان يفترض أن تمثل صوت المواطنين في الشارع.
ومنذ تلك اللحظة، اختفت المجالس المنتخبة تمامًا، وحلّ محلها نظام قائم على التعيين، بينما يظل قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 قائمًا بلا روح.
أصبحنا نرى ملايين المواطنين حُرموا فعليًا من أبسط أدوات الرقابة الشعبية على الخدمات اليومية، في وقتٍ تتراكم فيه الوعود بقانون جديد لم يرَ النور حتى الآن، وكأن المحليات خرجت من المشهد.. ولم تعد.
رفض كامل للقانون المقدم من الحكومة
شهدت أولى جلسات مناقشة مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد، اعتراض وتحفظ الأغلبية والمعارضة على مشروع القانون المقدم من الحكومة، خاصة أنه مشروع الحكومة محال المجلس من عام 2016.
وأكد الجميع أن هناك تطورات وتغييرات عديدة طرأت وكان يتوجب على الحكومة أن تعيد دراسة مشروع القانون وتحديثه قبل إرساله مرة أخرى للمجلس بعد مرور عشرة سنوات كاملة، الأمر الذي أثار انتقاد الجميع أغلبية ومعارضة.
وكانت أهم أسباب الرفض أن مشروع القانون تم إعداده منذ عام 2016 ولم يتطور بما يكفي ليتناسب مع المتغيرات التي حدثت في السنوات الأخيرة، فأشار النواب إلى أن بقاء نصوص قانون قديم من عشر سنوات بدون تحديث يجعله غير ملائم للتطبيق الآن.
ورأى النواب أن القانون يحتوي على نصوص تتعارض مع الدستور المصري وتفتقد تنظيمات مهمة مثل كيفية حل المجالس المحلية. لذلك اعتُبر مشروع القانون غير دستوري في بعض مواده، مما عزز رفضه.
وبعد ساعات من المناقشات، أعلن اللواء محمود شعراوي، رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، تشكيل لجنة فرعية لدراسة ومراجعة مشروع قانون الإدارة المحلية المقدم من الحكومة ومشروعات القوانين المقدمة من عدد من النواب وإعداد مسودة جديدة لمشروع قانون الإدارة المحلية.
هشام عناني ينتقد قانون المحليات
في حديثه لـ “القصة”، أكد هشام عناني، رئيس حزب المستقلين الجدد، تحفظه على قانون الإدارة المحلية المقدم من الحكومة، موضحًا أن القانون لم يضع إطارًا زمنيًا محددًا وآليات عمل واضحة لتطبيق اللامركزية، بما يخالف نص المادة 176 من الدستور.
وأشار إلى أن عدم تحديد آلية عمل واختصاصات المجلس، خصوصًا فيما يتعلق بسلطة المجالس المحلية في تقديم الاستجوابات وطلبات الإحاطة وسحب الثقة، وهو صلب عمل هذه المجالس في مراقبة الجهاز التنفيذي، يعد مخالفًا لنص المادة 180 من الدستور.
وأضاف عناني أن القانون لم يلتزم بالنسب المقررة لتمثيل المرأة والشباب، والتي تنص على وجوب حصول كل منهما على نسبة 25% من المقاعد، بما يخالف نص المادة 180 من الدستور أيضًا، كما لم ينص مشروع القانون على ماهية التمثيل المناسب للمسيحيين وذوي الإعاقة، ولم يوضح أي آلية لاختيار المحافظين بالانتخاب، رغم أن الدستور نص على ذلك ضمن طرق اختيار المحافظين، مما يعد مخالفة لنص المادة 197.
وأوضح عناني أن القانون لم يتناول كيفية تحقيق العدالة الاجتماعية ولا آليات الدعم الفني والعلمي للوحدات المحلية، وفقًا لنص المادة 177 من الدستور، كما نص على نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة المطلقة مع تحديد نسب ثلاثة أرباع والعمل بالنظام الفردي، وهو نظام أقرب إلى التعيين، وله مآخذ عديدة ظهرت في انتخابات البرلمان الأخيرة.
وأضاف أن القانون لم يوضح آلية حل المجلس المحلي حال مخالفة أي منه، ووضع وزير التنمية المحلية في موقع المبادرة بحل أي من هذه المجالس، مما يقوض سلطة المجالس المحلية ويغفل دورها الرقابي.
وأشار عناني إلى أن القانون لم يشر إلى أي اشتراطات لتقييم كفاءة من يتولى المناصب الإدارية، بدءًا من منصب المحافظ حتى رئيس الحي، ولم يوضح ضوابط الانتخابات أو آليات التصرف في الحالات الطارئة بالمجالس المحلية.
وأكد أنه لم القانون تشكيل عضوية المجالس المحلية بمستوياتها المختلفة من القرية حتى المحافظة، ولا نسب المراكز في مجلس المحافظة، ولم يوضح آليات التعامل مع توصيات المجالس المحلية حال عدم تنفيذها من قبل الجهاز التنفيذي.
ولفت إلى أن القانون لم يشر إلى سلطات المجالس المحلية في حال رفض الحساب أو الميزانية لأي وحدة محلية، ولم يوضح وجود مجلس تنفيذي للوحدات المحلية بالمراكز والأقسام، خاصة عند تطبيق اللامركزية، ولم يحدد آليات واضحة لتوزيع الموارد بين المحافظات أو أسس توزيعها، خاصة في المحافظات الفقيرة والنائية، ولم يتطرق إلى الصناديق الخاصة بالمحافظة وآلية عملها والرقابة عليها.
وشار إلى أن مشروع القانون لا يحقق أهدافه ولا يضع تصورًا لتحسين عمل الجهاز الحكومي، كما أنه لا يحقق الدور الرقابي للمجالس المحلية.
وطالب عناني بحوار مجتمعي وحزبي موسع لوضع تصور أفضل يتماشى مع نصوص الدستور ويحقق ما نصبو إليه كمجتمع، بما يضمن أداء حكومي أفضل يشعر به المواطن البسيط.
هيثم ياور: الإدارة المحلية ليست رفاهية
وفي هذا الإطار، يقول هيثم ياور، عضو جلسات الحوار الوطني الخاصة بملف الإدارة المحلية إن القانون سيحدد شكل الخدمات التي ستصل إلى كل مواطن، بدءًا من الشارع الذي يسكن فيه، وصولًا إلى المرافق اليومية التي يستخدمها.
ويضيف: “الصياغة الحالية للقانون بها مشاكل تستدعي الوقوف عندها. هناك تخوف حقيقي من أن المجالس المحلية لا تعكس إرادة الناس بشكل كافٍ، وأن فرص التمثيل قد لا تكون متساوية للجميع، خاصة مع تأثير المال والنفوذ. وهذا قد يجعل المجالس موجودة شكليًا، لكن دورها الفعلي على الأرض ضعيف”.
ويكمل: “كثيرون منا شاركوا في جلسات الحوار الوطني، وناقشنا تفاصيل كثيرة بهدف الوصول إلى قانون يحقق توازنًا بين الكفاءة والتمثيل العادل. فالسؤال الآن: أين هذا الكلام في المشروع الحالي؟ وهل تم الاستفادة فعلًا من كل النقاشات التي جرت؟”
ويتابع: “الفكرة ليست الاعتراض لمجرد الاعتراض، بل نريد قانونًا يعمل بجد، ويساعد على وجود مجالس محلية قوية، قادرة على المحاسبة، والخدمة، ونقل صوت الناس”.
ويختتم: “الفرصة ما زالت موجودة للمراجعة والنقاش والتعديل، لنخرج بقانون يليق بالناس ويخدم البلد حقًا، الإدارة المحلية ليست رفاهية.. إنها أساس أي تنمية حقيقية”.
رضا فرحات: القانون لا يزال بحاجة إلى مراجعة شاملة
وقال رضا فرحات، نائب رئيس حزب المؤتمر، خبير الإدارة المحلية لـ “القصة” أن مشروع قانون الإدارة المحلية المقدم من الحكومة في صورته الحالية لا يزال بحاجة إلى مراجعة شاملة، مؤكدا أن أي تشريع في هذا الملف يجب أن ينطلق من هدف واضح وهو تحسين جودة حياة المواطن وتطوير مستوى الخدمات على أرض الواقع، وليس مجرد إعادة تنظيم إداري شكلي.
وأشار إلى أن غياب المجالس المحلية المنتخبة طوال السنوات الماضية كشف بوضوح حجم الخلل في منظومة الإدارة المحلية، وأثر سلبا على كفاءة الرقابة ومستوى تقديم الخدمات.
وأضاف أن القانون بصيغته الحالية لا يقدم حلولا حاسمة لمشكلات متجذرة، مثل تضارب الاختصاصات، وتعقيد الإجراءات، وضعف الكفاءة المؤسسية، بل قد يؤدي إلى استمرار نفس الأزمات تحت مظلة تشريعية جديدة، وهو ما يبرر حالة التردد التي تسود مناقشاته داخل البرلمان.
وشدد خبير الإدارة المحلية على أن أي قانون للإدارة المحلية يجب أن يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية: أولها تمكين المجالس المحلية المنتخبة ومنحها صلاحيات رقابية حقيقية، وثانيها تحقيق استقلال مالي نسبي للوحدات المحلية يتيح لها تنفيذ خطط تنموية تتناسب مع احتياجاتها، وثالثها بناء جهاز إداري كفء يعتمد على الكفاءة والتأهيل وليس المركزية البيروقراطية.
تاريخ المحليات في مصر
ووفقًا لتقرير صادر عن مركز “الذاكرة والمعرفة للدراسات” نرى أنه منذ صدور قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979، تشكلت ملامح نظام محلي قائم على مركزية القرار، حيث احتفظت السلطة التنفيذية باليد العليا في إدارة المحافظات، بينما ظلت المجالس المحلية ذات صلاحيات محدودة أقرب إلى الشكل منها إلى التأثير الحقيقي.
ومع محاولة تعديل القانون عبر تشريع 1996، بدا المشهد وكأنه يتجه نحو الإصلاح، إلا أن التعديلات لم تمس جوهر المشكلة، بل أعادت إنتاجها بشكل أكثر تعقيدًا.
فبدلًا من تمكين المحليات، استمرت التبعية للسلطة المركزية، وظل المحافظ—المُعيَّن—هو صاحب القرار النهائي، لتتحول فكرة التطوير إلى مجرد إعادة ترتيب لنفس الخلل القديم.
وفي الفترة من 2000 وحتى 2010، كشفا بيانات وتقارير صادرة عن الجهاز المركزي للمحاسبات، عن مخالفات مالية وإدارية متكررة، وتضخم في ، وضعف في آليات الرقابة، في المجالس المحلية.
زاد المشهد تعقيدًا مع انتخابات المحليات، خاصة في 2008، التي واجهت انتقادات واسعة بسبب ضعف التنافس وغياب التعددية، ما أضعف من شرعية المجالس نفسها، وفقًا لتقارير صحفية منشورة حينها.