يرى محمد نور أن لم تكن مفاوضات الـ21 ساعة في إسلام آباد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، برعاية وساطة إقليمية (مصر – باكستان)، والتي اختُتمت جولتها الأولى في إسلام آباد دون التوصل إلى اتفاق بين الطرفين، وديةً، بل كانت معقدة، وكانت لغة “الخطوط الحمراء” هي التي سادت الموقف. فالجولة الأولى من المفاوضات لم تكن سوى لعبة شطرنج؛ أن تتخلى عن قطعة لتكسب موقعًا، فكل وفد يحاول فرض شروطه على الآخر.
تمسك الوفد الأمريكي، برئاسة نائب الرئيس “جيه دي فانس” و”ستيف ويتكوف”، بوقف فوري وشامل لكل أنشطة التخصيب، حيث اقترح الوفد الأمريكي على وفد إيران وقف تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عامًا، وتفكيك بنية تحتية نووية محددة. هذه الشروط والمطالب الأمريكية رفضها الوفد الإيراني برئاسة محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، ووزير الخارجية عباس عراقجي، واعتبروها مساسًا بـ”السيادة الوطنية” للبلاد.
فشل الجولة الأولى من المفاوضات بين واشنطن وطهران دفع إلى تحركات دبلوماسية مكثفة من قبل الوسطاء الباكستانيين والمصريين والأتراك للوصول إلى صيغة تفاهم مشترك يتقبلها الطرفان، وحل الخلافات المتبقية قبل انتهاء مدة وقف إطلاق النار في 21 أبريل الجاري. وهذه الخلافات جوهرية، تتعلق باليورانيوم عالي التخصيب ومدة القيود النووية. ومن المنتظر أن تبدأ الجولة الثانية من المفاوضات المزمعة بين إيران والولايات المتحدة في باكستان خلال ساعات.
إذا نظرنا إلى حسابات المكسب والخسارة، والمنتصر والمهزوم في حرب الـ39 يومًا، نجد أن هذه الحرب لم تكن ذات هدف واحد، بل إنها تقاطع لإرادات وحسابات كبرى. فقد أرادت واشنطن من الحرب كبح البرنامج النووي الإيراني ووقف التخصيب، وإعادة تشكيل النظام بما يخدم مصالحها في المنطقة، كما سعت تل أبيب إلى تفكيك منظومة التهديد بالكامل، خصوصًا الأذرع الإقليمية لإيران، وإعادة رسم خريطة الإقليم من جديد.
دخل الرئيس ترامب الحرب متوقعًا انتصارًا سريعًا، وكان الهدف تغيير سياسة النظام، إن لم يتغير النظام نفسه بانقلاب أو ثورة شعبية، على غرار ما حدث في فنزويلا من عملية اختطاف الجيش الأمريكي للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في يناير الماضي. إلا أن النظام الإيراني خيّب آمال وطموحات ترامب، وأظهر صمودًا وصلابةً هائلةً فاجأته، من خلال إطلاق الصواريخ الباليستية والمقذوفات والمسيّرات على المصالح الأمريكية في الخليج وإسرائيل، إضافة إلى أن طهران استطاعت إثبات قدرتها على وقف حركة المرور في أحد أهم الممرات الملاحية التجارية في العالم، وهو مضيق هرمز.
استمرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران 39 يومًا دون تحقيق الهدف الذي من أجله حشد ترامب معداته العسكرية في البحر والبر والجو. فقد بدأت الحرب في 28 فبراير الماضي بهدف إسقاط النظام بضربات قوية أسفرت عن مقتل أعلى الهرم، المرشد الأعلى، وزوجته وأفراد آخرين من عائلته، إضافة إلى الاغتيالات التي طالت عددًا من الجنرالات وقادة المؤسسات، وإلحاق دمار بالبنية التحتية وبعض المنشآت الحيوية الهامة في البلاد.
الواقع يؤكد أن هذه الحرب، التي استمرت أكثر من شهر وأصبحت العنوان الرئيسي لوسائل الإعلام العربية والدولية ووسائل التواصل الاجتماعي، انتهت دون انتصار خالص لأي من الطرفين؛ فلم ينتصر أحد، بل كانت لحظة اصطدام بين سقف القوة وسقف الكلفة، وهو ما جعل الطرفين يدركان أن الاستمرار في المواجهة سيؤدي إلى خسائر لا يمكن احتمالها.
قبول واشنطن وطهران الجلوس على مائدة المفاوضات جاء إدراكًا بأن الخسائر أكبر من أي انتصار، وأن استمرار أي طرف في القتال لا يعني أنه منتصر. لذلك فإن جلوس ممثلي دونالد ترامب، بقيادة نائبه جيه دي فانس، إلى طاولة المفاوضات مع محمد باقر قاليباف، لا يعني بالضرورة القبول بالهزيمة، فالحرب بالنسبة للدول الكبرى لا تُدار بمنطق الشعارات والعواطف، بل بمنطق الحكمة والكلفة والمسؤولية والمآلات.
نلاحظ أن مضيق هرمز هو محور المفاوضات المنعقدة حاليًا في إسلام آباد، حيث تريد واشنطن المشاركة في الإدارة والرسوم، بينما تصر طهران على إدارة الممر وتحصيل الرسوم. ويتضح أن مضيق هرمز، إلى جانب وقف التخصيب، هو البوابة الرئيسية للمباحثات بين واشنطن وطهران.
استمرار الحرب كان سيؤدي إلى نتائج كارثية على الجميع، خاصة فيما يتعلق بتهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز، واضطراب أسواق الطاقة، واتساع رقعة الاشتباك. هذه الكلفة دفعت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ قرار عقلاني بتجميد المواجهة ووقف العملية العسكرية، وهو قرار لم يكن هروبًا من المعركة، بل محاولة لضبط الإيقاع قبل الانزلاق إلى وضع لا يمكن السيطرة عليه.
يخطئ من يتصور أن قبول الجلوس على طاولة التفاوض ضعف أو استسلام، فالتفاوض أداة من أدوات إدارة الصراع، ويُستخدم حين يصبح الاستمرار في الحرب أقل جدوى وأكثر كلفة.
على الجانب الآخر، قبلت إيران الجلوس على طاولة المفاوضات بعد إدراكها أن الاستمرار في الحرب يكلفها الكثير، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة نتيجة العقوبات، وارتفاع معدلات التضخم، وانقطاع الإنترنت، وتعرض الشركات لخطر الانهيار، واستمرار العزلة، وتهديد القيادات بالاغتيال. ورغم أن الصمود الذي استمر قرابة 40 يومًا يُعد إنجازًا، إلا أنه قد لا يكون كافيًا.
قراءة المشهد تؤكد أن هذه الحرب كانت حرب استنزاف، كشفت أوراق الطرفين، وكانت لحظة فاصلة بين سقف القوة وسقف الكلفة، وهو ما أدى في النهاية إلى قبول الطرفين بالمفاوضات.
نحن أمام شارع عربي منقسم في آرائه؛ فهناك من يرى أن أمريكا انتصرت، وآخر يرى أن إيران انتصرت، لكن هذا تبسيط غير دقيق. الحقيقة أن لا أحد انتصر، بل نحن أمام صراع طويل لا يُحسم من جولة واحدة، وقد توقفت المعركة عند نقطة توازن حساسة، أدرك فيها الجميع أن استمرارها سيجعل الخسارة مشتركة.
نستخلص أن أهداف الحرب التقت عند إضعاف إيران، وأن واشنطن لم تذهب إلى التدمير الشامل، بل أبقت الباب مفتوحًا أمام مفاوضات تعيد توجيه النظام. في المقابل، قدمت إيران بعض التنازلات، مثل الموافقة على فتح المضيق لعبور السفن.
أما إسرائيل، فقد خرجت من الصراع بخسارة، إذ لم تحقق أهدافها في إسقاط النظام أو تدمير البرنامج النووي أو القضاء على الأذرع الإقليمية، كما فشلت في جر دول الخليج إلى الصراع.
أما دول الخليج، فقد خرجت بدروس مهمة، أبرزها أن الأمن لا يُستعار بل يُبنى، وأن التحالفات لا تكفي وحدها، إلى جانب أهمية الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
في النهاية، لا يوجد أمام واشنطن وطهران خيار سوى الاتفاق، وتشير المعلومات الواردة من إسلام آباد إلى وجود بوادر اتفاق، في ظل الزيارة التي قام بها قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، إلى طهران، وما تردد عن رسائل أمريكية تتعلق بملفات إقليمية، منها لبنان.
كما أن مطالبة الرئيس ترامب لمراسل صحيفة “نيويورك بوست” بالبقاء في باكستان قد تشير إلى احتمال حدوث تطورات خلال ساعات.
ونأمل في انفراجة خلال الجولة الثانية من المفاوضات.