كانت الساعة تقترب من الخامسة مساءً.
وبصوته العالي، وقف “الكابتن هاني” في صالة تحرير جريدة الدستور، مشيرًا إلي: أستاذ عمرو.. “تعالى خد مكافأتك”.
القاعة ممتلئة بالزملاء الصحفيين المنهمكين في العمل في يوم “تقفيل الجريدة”.
كان الكابتن هاني هو المدير المالي، وكنا نلقبه بهذا الاسم لأنه كان لاعبًا لكرة القدم في النادي الأهلي.
اقتربت منه وأنا لا أفهم ما الذي يحدث.
مد يده بورقة مالية من فئة 100 جنيه، وقال:
وقع على الإيصال لو سمحت.
مئة جنيه فقط.
لكنها يومها- في عام 2005- لم تكن “فقط”.
كانت أول مبلغ مالي أحصل عليه من عملي في الصحافة.
شعرت وقتها أن السهر والإرهاق والحماس والشغف يمكن أن يجدوا تقديرًا، مهما بدا صغيرًا.
خرجت من الجريدة وأنا أطير من الفرح.
بدت الدنيا أخف، والقاهرة نفسها أجمل.
أنفقت المئة جنيه سريعًا، لكن أثر تلك اللحظة لا يزال حيًا في الذاكرة.

بدأت أول تجربة صحفية حقيقية في جريدة الدستور شابًا يحمل في قلبه الكثير.
أذهب كل صباح محملًا بالحماس، وأعود آخر النهار محملًا بالتعب.
لكني تنبهت منذ اليوم الأول أن مشوار الصحافة قد بدأ.
أكتب وأتعلم وأراقب الكبار، وأحلم بمكان لائق بين صفوف العاملين بمهنة البحث عن المتاعب.
في تلك السنوات، كان للصحافة بريقها وحضورها الطاغي.
وكانت تجربة “الصحافة المستقلة” تكبر وتضخ حيوية جديدة في سوق المهنة.
المصري اليوم والدستور وغيرهما جددوا شرايين الصحافة، وفتحوا الأبواب أمام جيل جديد من الشباب.
مؤسسات تعمل وتتنافس، ومعارك صحفية جادة ومؤثرة، ومساحات معقولة من الحرية كانت تحافظ على الصحافة من الموت والاندثار.
كنت ابن جيل يعرف معنى المنافسة لا معنى الخوف.
فالخبر الجيد كان يؤثر لا يفتح أبواب المتاعب.
كان التقرير والصورة قادرين على تغيير أوضاع خاطئة.
وكان الصحفي يُقاس بما يكتب، لا بما يتجنبه من كتابة.
الآن أدركت أنني كنت محظوظًا بأن بدأت خطوتي الأولى في جريدة الدستور.
هي صحيفة تشبهني!
مشاكسة ومشاغبة ومتمردة على الواقع.
كان على رأس مجلس إدارة الدستور المهندس عصام إسماعيل فهمي، الذي أطلقت عليه يومًا اسم “الناشر الأخير”، لأنه كان يعمل ويربح من النشر فقط.

والأهم أنه لم يضع قيودًا على العاملين في صحيفته التي قاد تمردها وجموحها الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى ومعه كتيبة من الصحفيين الموهوبين.
ثم تبدل كل شيء.
مرت السنوات وتغير حال الصحافة.
فمثلما رأيت صالات التحرير وهي تضج بالحياة والحماس والحيوية، رأيتها وهي تقلق من غياب الإعلانات ومن الطباعة والمصاريف، وتتخوف من تقرير منشور هنا أو كلمة يعتبرها البعض “خارج السياق” هناك!
رأيت المهنة تتعب ببطء.
وتأثيرها يخبو.
وألقها يضعف إلى حد التلاشي.
في عام 2013، حصلت على آخر مرتب لي من الصحافة الورقية.
كان ذلك في جريدة التحرير قبل أن أغادرها مودعًا تلك الصحافة للأبد.
كان اعتقادي وقتها أن الصحافة الورقية تنتهي، وأن المستقبل بات يفتح أبوابه للصحافة الإلكترونية.
يومها حصلت على نحو 5000 جنيه.. مرتبي الأخير.
كان الرقم وقتها جيدًا، فالدولار كان في حدود 7 جنيهات.
أي أن قيمته، بمقاييس اليوم تصل لنحو 750 دولارًا.. أو يزيد.
لكن القضية الآن ليست مجرد أرقام فقط.
القضية أن الصحفيين يعملون اليوم برواتب ضعيفة، لا تكفيهم لمنتصف الشهر.
حاصرت القيود الصحافة من كل اتجاه.
تراجع الاستثمار في الإعلام.
حضر الخوف فصار كثيرون ينظرون إلى الصحافة كعبء يقلق من يقترب منه، وكحقل ألغام يبتعد عنه الجميع.

ما بين الـ100 جنيه الأولى، والـ5000 الأخيرة، رحلة كاملة.
حلم بدأ واسعًا، ومهنة تقاتل اليوم لكي تبقى.
وبين الرقمين، يقف جيل كامل من الصحفيين يسأل سؤالًا بسيطًا: هل يأتي يوم يصبح فيه العمل الصحفي قادرًا مرة أخرى على منح أصحابه حياة كريمة؟
هل يعود للصحافة بريقها وللمهنة تأثيرها الذي غاب؟
ظني- وربما أملي- أن الإجابة ستكون بنعم!
فالصحافة في بلادنا عبر تاريخها هي حالة من المد والجزر.
تزدهر ثم تتراجع.
خطوة للأمام وأخرى للخلف.
لكنها- أبدًا- لا تموت.
الحلقة القادمة: الأربعاء