ربما سيكون من غير المناسب الإثقال علي من يهتم بقراءة هذا المقال، أن استطرد في استخدام منهج تاريخي يدعم ما سيلي، ولكنني اكتفي بالإشارة إلي أن كل التحولات الحضارية الهائلة في تاريخ الأمم أعقبت فترات من الكوارث والحروب المدمرة، ومن ذلك في التاريخ الحديث نسبيا، حرب الثلاثين عاماً (1618-1648) التي كان ضحاياها تقريبا ثلث سكان القارة الأوروبية، والتي انتهت بتوقيع صلح وستفاليا (Peace of Westphalia) عام 1648، حيث أسست لنظام دولي جديد يستند علي سيادة الدول.
وهو نفس ما حدث علي مشارف نهايات الحرب العالمية الأولي، في مؤتمر فرساي، الذي وضع أساس تنظيم عصبة الأمم، وبناء نظام دولي مختلف بعد زوال الإمبراطورية العثمانية، وتقسيم ممتلكاتها في الشرق الأوسط، وإصدار وعد بلفور ..إلخ.
ثم تكرر ذلك علي مشارف نهايات الحرب العالمية الثانية حين اجتمع قادة الحلفاء المنتصرين في يالتا كي يضعوا جدول أعمال العالم ما بعد تلك الحرب المدمرة، وترتب علي ذلك تأسيس نظام الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وانقسام العالم بشكل أو بآخر بين قطبين كبيرين، وبداية الحرب الباردة.
إلا أن نهاية الحرب الباردة – والتي اعتبرتها في كتاباتي الحرب العالمية الثالثة، لم تشهد نفس الزخم في صياغة النظام الدولي الجديد حتي الآن، ولا يزال ذلك النظام يشبه جنينا يتشكل ويستعصي علي الميلاد لأسباب قد نناقشها في مقال آخر.
ولكن الخلاصة هي أنه بعد كل كارثة إنسانية يمر بها العالم، كانت تتواكب مع نهايته جهود نظرية لوضع جدول أعمال المستقبل، بشكل يتفادي أسباب الكوارث الماضية، ويسعي لوضع ملامح خطة طموحة متفائلة للمستقبل.
والآن إذا تأملنا ما حدث في منطقة الشرق الأوسط على مدى ما يزيد علي نصف قرن، وتفاقمه في السنوات الأخيرة بشكل خطير، فإن ذلك يستدعي أهمية بحث وضع جدول أعمال لما بعد الأزمة يتضمن مهام عاجلة تبحث في الأساس وسائل دعم الجبهة الداخلية وحمايتها، ليس أمنيا فقط، بل وهو الأهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وكذلك بذل الجهد لترميم أوضاع الإقليم من خلال ورش عمل متنوعة تناقش محاور أفقية ورأسية في العمل العربي، ووضع خطة عمل قابلة للتنفيذ لإصلاح مؤسسات العمل العربي المشترك، وتعديل ما يلزم من وثائقها التأسيسية.
تتضمن المهام العاجلة أيضا إعادة تعريف، وتحديث للعلاقة بين سلطات الدولة، وبينها وبين جمعية الشعب العمومية.
وعلي المدي الأبعد ( 5-10 أعوام )، السعي الحثيث لبناء نظام أمني إقليمي يحقق توازن القوى، والردع الكافي لأي تهديدات لهذا النظام، يشارك فيه أساسا الدول العربية القادرة والراغبة كمرحلة أولى، ومعها الدول المفتاحية key countries غير العربية التي تتفق حول تحديد المخاطر، ووسائل الردع.
وعلى نفس المدى يجب أن يحمل جدول الأعمال مهاما اقتصادية طموحة في التعاون والتكامل الإقليمي وتشجيع حركة الأموال والاستثمار، والمصارف المتعددة الجنسية في إطار مصرف حاكم واحد للإشراف عليها وتوجيه أنشطتها.
كذلك – وعلى نفس المدى- بناء قاعدة مشتركة للبحث العلمي والتكنولوجيا، تحقق اللحاق بما توصل إليه العالم، وتطبيقاته في مجال الصناعة وصناعة السلاح علي وجه الخصوص.
وعلى نفس المدى يتم العمل علي المستوى الدولي لإرساء مبدأ خلق منطقة منزوعة من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، وخضوع كل الأنشطة النووية في المنطقة لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وعلى مدى زمني أطول (إلي منتصف هذا القرن 2050) يكون التخطيط الاستراتيجي لتحقيق السلام الشامل القائم علي العدل في كل إقليم الشرق الأوسط ، وتحقيق مجتمع العدل والرفاهية الذي يحقق السعادة لكل شعوب منطقة الشرق الأوسط.
قد يبدو ما تقدم ـ لمن لا يقرأ التاريخ – تهويما في أحلام اليقظة، إلا أن تلك هي “الروشتة” المختصرة الموصوفة لكل مناطق العالم التي مرت بكوارث ومحن الحروب، وتمكنت أن تضع إستراتيجية الخروج من بين اللهب إلي واقع أفضل.