تحولت نظرات الفرحة والابتسامة التي لم تفارق الوجه”هنا” إلى صدمة شديدة، بعدما أخبرها الطبيب بأن تحاليل ما قبل الزواج كشفت أنها حاملة لجينات مرض الثلاسيميا.
في البداية ظنت هي وخطيبها أنه مرض بسيط يمكن التعايش معه ، ولكن نظرات القلق والحيرة بدأت تتسلل إليها، مع شرح الطبيب لمضاعفات المرض وأعراضه في حال سماع الأعراض، خاصة بعدما اكتشفت”هنا” أن هذه الأعراض كانت تلازمها بالفعل من سنوات.
مازداد الأمر سواءً عندما اتجهت”هنا” بصحبة خطيبها إلى إحدى مراكز نقل الدم لمعرفة تفاصيل عن مرضها، وعند دخولها المركز سمعت صياح مريضة ثلاسيميا، وهي تصيح مطالبة بكيس واحد من الدم، قائلة: ”بقالي أسبوع رايحة جاية عشان كيس دم ممكن أموت لو اتأخر أكتر من كده”.
وتكشف أحدث بيانات رسمية صادرة عن وزارة الصحة في مصر عن فجوة لافتة في التعامل مع مرضى الثلاسيميا، فبينما تم اكتشاف نحو 32 ألف حالة ضمن مبادرة فحص المقبلين على الزواج في مايو 2024، تشير بيانات سابقة في مايو 2023 إلى أن نحو 4,500 مريض فقط يتلقون خدمات علاجية داخل المستشفيات الحكومية،
وبحسب شهادات مرضى وأسرهم في حديثهم لـ”القصة”، فإن هذه الأزمة ليست حالة فردية، بل معاناة متكررة يواجهها كثير من المصابين بالثلاسيميا”أنيما البحر المتوسط”في مصر.
ما هي الثلاسيميا؟
بحسب تقارير طبية نشرتها ”المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية”، فإن الثلاسيميا هي مرض وراثي يصيب الدم، يحدث نتيجة خلل جيني يؤثر على قدرة الجسم على إنتاج الهيموجلوبين، وهو البروتين المسؤول عن نقل الأكسجين داخل كرات الدم الحمراء. وعندما ينخفض إنتاج الهيموجلوبين، يعاني المريض من فقر دم مزمن ونقص في وصول الأكسجين إلى أعضاء الجسم.
وينقسم المرض إلى أنواع متعددة، أبرزها “ألفا ثلاسيميا” و“بيتا ثلاسيميا”، وتختلف شدة المرض من حالة لأخرى، فبعض المصابين قد يعانون أعراضًا بسيطة، بينما يحتاج آخرون إلى نقل دم بشكل دوري للبقاء على قيد الحياة.
وتكمن خطورة المرض في أنه قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة إذا لم يحصل المريض على العلاج والمتابعة المنتظمة، إذ يمكن أن يحدث تضخم في الكبد والطحال، وتشوهات بالعظام وضعف النمو، إضافة إلى مشكلات بالقلب والكبد نتيجة تراكم الحديد في الجسم بسبب عمليات نقل الدم المتكررة.
كما قد يؤدي إهمال العلاج إلى فشل في بعض وظائف الأعضاء أو الوفاة المبكرة في الحالات الشديدة.
ويعتمد علاج الحالات الشديدة غالبًا على نقل الدم بصورة منتظمة، إلى جانب أدوية تساعد على التخلص من الحديد الزائد المتراكم بالجسم، فيما قد يحتاج بعض المرضى إلى زراعة نخاع عظمي في الحالات المتقدمة.
صرخة منسية: مرضى الثلاسيميا بين مطرقة “المرض المزمن” وسندان “الإهمال الحكومي”
بينما تمضي حياة الآخرين بشكل طبيعي، يُحكم على المرضى المصابين بـ الثلاسيميا في بلادنا بخوض معركة يومية، ليس فقط ضد أجسادهم التي تفتقر للأكسجين، ويقول المرضى إنهم يشعرون بأن المنظومة الصحية لا تمنحهم الاهتمام الكافي.
إن معاناة مريض الثلاسيميا ليست مجرد “نقص في الهيموجلوبين”، بل هي رحلة عذاب تبدأ من مراكز الدم وتنتهي عند جدران تتجاهل المرض، هذا ما يقوله أحد مرضى الثلاسيميا، في حديثه لـ “القصة”حيث قال: ”من ساعة ما عرفت إني مريض ثلاسيميا وأنا رايح جاي على مركز الدم، ومحدش عايز يتحرك ويعمل حاجة”.
وتضيف مريضة أخرى أن مريض الثلاسيميا يعيش على “نقل الدم” بانتظام للبقاء على قيد الحياة، ولكن بدلاً من أن يكون المركز الصحي ملاذاً آمناً، تحول إلى ساحة للمعاناة بسبب: سوء الرعاية والمتابعة: غياب البروتوكولات الطبية الموحدة، ونقص الكوادر المتخصصة التي تدرك تعقيدات هذا المرض ومضاعفاته على القلب والكبد والعظام، قائلةً: ”أنا واحدة ربنا كتب عليها مرض الثلاسيميا من غير نقل الدم ممكن أموت، ولما بروح مركز الرعاية بتعب أكتر ما برتاح بسبب الإهمال ونقص الدكاترة حتى الدم مش موجود”.
تؤكد حالة أخرى أن الإهمال واللامبالاة في التعامل مع المريض كأنه “رقم” أو عبء ثقيل، مع غياب الفحوصات الدورية الضرورية (مثل قياس مخزون الحديد ووظائف الأعضاء) التي تقي المريض من الموت المفاجئ، قائلةً: ”لما بروح المركز عشان نقل الدم والفحوصات بتعامل بمنتهي الإهمال أنا وغيري كأننا أرقام وعلاجنا عبء تقيل عليهم”.
بينما لفت مريض أن البيئة العلاجية متهالكة، والمراكز تفتقر لأدنى معايير الراحة والتعقيم، حيث يضطر المريض للانتظار ساعات طويلة للحصول على كيس دم قد يتوفر وقد لا يتوفر، حيث قال: ”بقف بالساعات عشان كيس دم لأبني، وبخاف عليه ياخد عدوي عشان مفيش أى تعقيم حتي مفيش مكان نقعد نستني فيه”.
أدوية حبيسة الأدراج.. لماذا يُحرم المرضى من الحلول الحديثة؟
العالم يتطور، وهناك ثورة في علاجات الثلاسيميا تهدف لتقليل الحاجة لنقل الدم المستمر والحد من ترسب الحديد القاتل في الجسم، هكذا بدأت، هكذا بدأ محمود فؤاد، المدير التنفيذي لجمعية الحق في الدواء، حديثه لـ”القصة”.
وتابع أن الأدوية الحديثة متغيبة عن الصورة، حيث قال: ”ولا تزال وزارة الصحة تعتمد على بدائل قديمة أو تتقاعس عن توفير الأدوية المبتكرة التي اعتمدتها المنظمات الدولية (مثل محفزات النضج أو الأدوية الفموية المتطورة لطرد الحديد)”.
ويقول: ”حتى العلاجات التقليدية تعاني من انقطاع متكرر، مما يضع حياة المرضى في خطر حتمي ويؤدي إلى تشوهات عظمية وفشل في وظائف الأعضاء”.
ويطالب فؤاد أن يكون العلاج حق مشروع لكل مريض، لا مكرمات، بتوفير الأدوية الجينية وبتوفير العلاجات التي تقلل من وتيرة نقل الدم فوراً، وإدراجها ضمن البروتوكول العلاجي المجاني.
ويتابع أن من المهم تأسيس مراكز تخصصية شاملة، مراكز لا تكتفي بنقل الدم فقط، بل تضم تخصصات (قلب، غدد، كبد، نفسية) لمتابعة الحالة بشكل متكامل، مشددًا على ضمان مجانية الفحوصات الدقيقة، وتوفير أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI).
ويضيف: ”إننا، ومن قلب المعاناة، نرفع صوتنا بالمطالب التالية التي تمثل الحد الأدنى لضمان حياة كريمة: كتوفير الأدوية الجينية والحديثة: ونطالب بتوفير العلاجات التي تقلل من وتيرة نقل الدم فوراً، وإدراجها ضمن البروتوكول العلاجي المجاني، وتأسيس مراكز تخصصية شاملة: مراكز لا تكتفي بنقل الدم فقط، بل تضم تخصصات (قلب، غدد، كبد، نفسية) لمتابعة الحالة بشكل متكامل، وضمان مجانية الفحوصات الدقيقة: توفير أجهزة الـ MR”.
ويؤكد أن هناك 9 مليون مواطن حاملين جينات مرض الثلاسيميا، تم اكتشاف 33 ألف حالة في تحليلات ما قبل الزواج، وهذه الحالات تقدمت بشكاوى لكثرة المشكلات التي تواجههم.
وتابع أنه أجري مكالمات هاتفية للجنة الصحة بمجلس النواب، حتي يقوم بإيصال صوت الناس وأن الأدوية لا تتواجد من أشهر، فيقول: ”وأنا كلمت لجنة الصحه بالنواب علشان حقوق الناس لان مفيش أدوية من شهور بخلاف عدم دخول الادويه الحديثه مصر لارتفاع سعرها والدوخة اليومية للعثور علي كيس دم نقي”.
ويؤكد أنه عندما تواصل مع مجلس النواب، تلقى وعودًا بمحاولة حل الأزمة سريعًا وإنهاء المشكلة، وإعادة حقوق 9 مليون شاب يحملون المرض، حيث قال: ”ووعدني النواب بحل المشكله الطويله التي اصدرت فيها حقوق ٩ مليون شاب يحملون المرض” .
مضاعفات الثلاسيميا وعدم انتظام نقل الدم
“فحوصات ما قبل الزواج تكشف احتمالية إنجاب أطفال مصابين بالثلاسيميا (أنيميا البحر المتوسط)، هكذا بدأ ادكتور رأفت عبد الفتاح، أخصائي أمراض دم، حديثه لـ”القصة”.
ويضيف أخصائي أمراض الدم، أن هذه الفحوصات يتم إجراؤها الآن في مصر قبل الزواج، ويفضل جعلها قانونًا يمنع الزواج إذا أثبت حمل الجينات الوراثية للمرض.
ويؤكد أن هذا هو الحل الوقائي الأمثل، لتقليل عدد المصابين بالثلاسيميا، موضحًا أن أخطر المضاعفات الصحية لعدم انتظام نقل الدم من المرض نفسه، تتمثل في تكسير متكرر للدم يؤدي إلى تشوه في عظام الطفل وحشوة في العظام، وضعف في النمو وتأثير على الأعضاء الداخلية.
ويقول: ”أخطر المضاعفات الصحية لعدم انتظام نقل الدم من المرض نفسه، هي تكسير متكرر للدم يؤدي إلى تشوه في عظام الطفل وحشوة في العظام، وضعف في النمو وتأثير على الأعضاء الداخلية”.
ويؤكد أن من مخاطر نقل الدم المتكرر (إذا تأخر) خاصة علي القلب، يسبب ترسب الحديد في الكبد ما يؤدي إلى تليف كبدي، في القلب يؤدي إلى تضخم عضلة القلب، وأحيانًا في البنكرياس يسبب مرض السكر.
ويتابع أن نقص أكياس الدم له تأثير سلبي على الحالة الصحية، حيث يسبب نقص الدم الذي يؤدي إلى مضاعفات إضافية مثل: تفاقم التشوهات العظمية وضعف النمو والأعضاء، قائلًا: ”نعم، يؤثر سلبًا، نقص الدم يؤدي إلى مضاعفات إضافية مثل تفاقم التشوهات العظمية وضعف النمو والأعضاء”.
ولفت إلى أنه يوجد العديد من المراكز في مصر، ولكن يحدث نقص في أكياس الدم خاصة في شهر رمضان، بسبب الصيام وعمليات الزراعة وحوادث الطرق، التي يحتاج فيها المريض للخضوع إلي عمليه جراحيه فتتطلب كميات كبيرة، لذا يجب تقليل عدد المرضى حتي يتوفر المزيد من الدم.
ويوضح أن الدواء في مصر متوفر بشكل كافي، سواء كان دواء تقليدي أو دواء حديث، وأن الدولة طرحت إضافت أنواع أدوية حديثة لطرد الحديد كالحقن حاليًا وأقراص، قائلًا: ”الأدوية متوفرة والحديثة متوفرة، بما في ذلك أدوية طرد الحديد (حقن حاليًا، وأقراص قادمة للتسجيل)”.
ويؤكد عبد الفتاح أن أهم علاج شافٍ، هو زراعة نخاع العظم، وأن هذا العلاج متوفر بنسبة نجاح 87% وهي نسبة عالمية عالية، خاصة في سن مبكرة مع تطابق تام للمتبرع، حيث قال: ”أهم علاج شافٍ، هو زراعة نخاع العظم، متوفرة بنسبة نجاح 87% (عالمية عالية)، خاصة في سن مبكرة مع تطابق تام للمتبرع”.
ويتابع أن العلاجات كافية، مع إجراء تحديثات مستمرة في سوق الدواء المصري، وأنا أدوية طرد الحديد ضرورية للسيطرة على مرض الثرميسيا متوفرة في مصر سواء كانت حقن أو وأقراص حديثة قائلًا: ”العلاجات كافية، مع تحديثات مستمرة، أدوية طرد الحديد ضرورية للسيطرة عليها، وهي متوفرة في مصر (حقن وأقراص جديدة)”.
وبين مراكز الدعم وعيادات نقل الدم، تشهد جدران هذه المباني كل يوم على حكايات مرضى الثلاسيميا، الذين أنهكهم السعي وراء كيس دم قد يكون المنقذ لهم أ و لأطفالهم، ومع كل باب يُطرق لطلب العون، يبقى 

