بات الخليج اليوم مسرحاً لما يمكن وصفه بـ “دراما العبث”، فبعد مرور شهرين على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يُفترض أن يكون “ضربة جراحية” تهدف لتغيير قواعد اللعبة في المنطقة ، يجد العالم نفسه أمام حالة من الجمود الجيوسياسي المروع، فمن ناحية، نرى القيادة إيرانية تتحث بنبرة التحدي عن سيادة بحرية مطلقة.
ومن ناحية أخرى، نرى الإدارة أمريكية التي كانت قد اعتقدت في البداية بأنها نجحت في “قطع رأس” عدوها، لتجد نفسها حبيسة زاوية استراتيجية، سواء عسكرية أو سياسية، ضيقة بشكل غير متوقع، ومن صنع يديها.
خطاب التحدي!
كانت ضربات فبراير الماضي تهدف إلى إسكات طهران للأبد، لكنها بدلاً من ذلك، ضخمت نموذجاً من القيادات الجديدة أكثر شراسة وبالتالي أكثر خطورة وتستخدم لغة من التحدي لم تعتادها الولايات المتحدة من قبل!.
فرغم دقة الأسلحة الأمريكية والإسرائيلية، لم ينحنِ النظام الإيراني، بل تقوقع داخل درع صلب مما يسمى “اقتصاد المقاومة” والعمليات العسكرية المؤذية و الممنهجة.
ومن موقعه قال المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، أن الولايات المتحدة قد هُزمت في حربها على إيران، وأن المستقبل سوف يكون مشرقاً لمنطقة الخليج بدون أمريكا، إشارة واضحة بأن مضيق هرمز لم يعد شرياناً عالمياً مشتركاً، بل أصبح ذو ادارة ايرانية خاصة، وأضاف أن القواعد الأمريكية في المنطقة غير قادرة على تأمين نفسها، متسائلاً عن قدرتها على ضمان أمن الدول التي تستضيفها.
وفي هذا السياق نجد أن خلال الحرب نجحت طهران في تحويل نقطة ضعفها العسكري إلى أداة ضغط عالمية؛ مراهنةً على أن قدرة الجمهورية الإسلامية على تحمل الألم أكبر بكثير من قدرة الغرب على دفع ثمنه.
مأزق ترامب الاستراتيجي: الطريق المسدود
على الجانب الآخر من المحيط، تتعلم الإدارة الأمريكية درساً قاسياً في عدم تحقيق الحرب أهدافها. حيث دخل الرئيس ترامب بدفع من نتنياهو، هذا الصراع واعداً بـ “اتفاق أفضل” ونهاية أسرع عبر تفكيك الأطر النووية القائمة ومحاولة تغيير النظام. لكن باختيار التصعيد العسكري، وجد نفسه فعلياً محشوراً في زاوية يبدو فيها كل مخرج بمثابة هزيمة.
لقد اصطدمت مطالب الإدارة “القصوى” بصخرة الكبرياء الإيراني الصلبة. والآن، مع ارتفاع أسعار الوقود محلياً إلى أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات، واقتراب انتخابات التجديد النصفي الحاسمة، تحولت “حرب الاختيار” إلى حرب ضرورة اقتصادية. تمتلك الولايات المتحدة القوة النارية لفتح المضيق، لكنها تفتقر بوضوح إلى “النفس السياسي” لتحمل الخسائر البشرية والركود العالمي الذي سيلي ذلك حتماً.
الثمن المتراكم لـ “الحرب المجمدة”
نحن نعيش الآن حالة “إدارة التصعيد بالذخيرة الحية”. هذا ليس توقفاً مؤقتاً، بل هو فترة تدهور سريع ومكلف.
إن الطبيعة “المجمدة” لهذه الحرب ليست سوى وهم يخفي وراءه ثلاثة ديون متراكمة:
• دين المصداقية: لم تؤدِّ الضربات “الجراحية” إلى انتفاضة شعبية ايرانية ضد النظام، كما كان يتوقع. بدلاً من ذلك، فإن حجم الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية، وهي أضرار تفوق بكثير ما تم الاعتراف به علناً كما كشفت النقاب قناة ان بي سي الأمريكية، قد اخترق أسطورة “المظلة الأمريكية” التي لا تُقهر. ففي كل يوم تنجح فيه الصواريخ والمسيرات الإيرانية، رخيصة الثمن، في تجاوز دفاعات جوية بمليارات الدولارات، ترتفع تكلفة “الردع” بينما تنخفض قيمته الفعلية على الأرض!
• النزيف الاقتصادي: لا يتوقف الأمر عند حدود أسعار النفط، إذ أجبر “تجميد” المضيق العالم على إعادة تشكيل خارطة التجارة العالمية كلياً. ومع انخفاض حركة السفن من 140 سفينة يومياً إلى بضعة سفن فقط، يدفع العالم “ضريبة معلقة” على كل برميل نفط وكل حاوية شحن، وبالنسبة لواشنطن، فإن تكلفة الحفاظ على حصار دائم لمواجهة الحصار الإيراني تمثل استنزافاً بمليارات الدولارات لمؤسسة عسكرية منهكة بالفعل.
• الظل النووي: في ظل هذا الجمود، بدأ الجليد الذي يغطي تخصيب اليورانيوم في الذوبان. فبدون الرقابة التي وفرها الاتفاق الذي مزقته واشنطن، باتت طهران تحرس برنامجها النووي والصاروخي باعتباره “رأس مال وطنياً” لا يقل أهمية عن حدودها السيادية. وكلما طال أمد هذا المأزق، أصبح الملف النووي بمثابة “بوليصة تأمين” غير قابلة للتفاوض لنظام يشعر أنه نجا بالفعل من المرحلة الأسوأ.
نقطة الانفجار
تبدو السخرية هنا لاذعة؛ فقد أمضت الولايات المتحدة عقوداً تحاول منع إيران من الحصول على “سلاح دمار شامل”، لتمنحها في النهاية سلاحاً لا يقل خطورة: “مضيقاً مغلقاً”.
وعبر إقصاء القادة الذين كانوا قادرين على التفاوض، تركت واشنطن نفسها أمام “عدواً” ليس لديه ما يخسره، ويمتلك كل الأدوات لتعطيل كل شيء.
إن هذه “اللحظة المجمدة” ليست سلاماً، بل هي “تصادم بالتصوير البطيء”، وكلما طال انتظار واشنطن لاستسلامٍ لن يأتي، زاد خطر انفجاراً ما قد يحدث تحت وطأة “الضغوط القصوى” التي تمارسها.
يحبس العالم أنفاسه اليوم، مترقباً من سينكسر أولاً في لعبة عض الأصابع التي نشهدها: الإرادة الإيرانية في التحدي، أم القدرة الأمريكية على دفع ايران على الموافقة على شروطها؟ هل نحن مقدمون على مفاوضات تفضي إلى سلاماً ما، أم نحن في مرحلة “الهدوء الذي يسبق العاصفة”؟.. لكن في “لعبة العناد” هذه والتي الأمور تبدو على حافة الهاوية، الشيء الوحيد “المجمد” حقاً هو معرفة ما الذي سيحدث في اليوم التالي. وإذا لم تجد الإدارة الأمريكية مخرجاً يحفظ ماء الوجه قريباً، فقد تكتشف أن الشيء الوحيد الذي نجحت في “قطع رأسه” هو استراتيجيتها الإقليمية برمتها.