في غزة، لم يعد “الموت” يطرق الأبواب عبر الصواريخ فحسب، بل بات يتسلل صامتاً عبر الأفواه الجائعة والأمعاء التي نسيت ملمس الشبع هنا، تحولت “لقمة العيش” من حق بديهي إلى رحلة محفوفة بالذل والمخاطر، وبات المدنيون يخوضون يومياً “حرباً” أخرى لا تقل ضراوة عن القصف، إنها حرب البقاء على قيد الحياة ببطون فارغة.
أرغفة بطعم “العلف” وكرامة تحت الاختبار
في شمال غزة، حيث الحصار يطبق فكيه بقسوة، لم تعد رائحة الخبز الشهي تداعب الأنوف هناك، تروي “أم محمد” مأساتها وهي تمسك بكسرات خبز داكنة مائلة للخضرة: “صرنا نطحن علف الحيوانات والذرة اليابسة لنصنع منها خبزاً مراً لا يكاد يمر من الحلق، لكنه السبيل الوحيد لإسكات صراخ أطفالنا”.
تضيف بمرارة لـ”القصة”: “الجوع ينهش فينا أكثر من الشظايا فالموت بالقذيفة سريع، أما الموت بالجوع فهو قتل بطيء بالدقيقة والثانية”، شهادتها هذه ليست مجرد كلام، بل هي واقع آلاف العائلات التي نسيت شكل “الخضار” أو “اللحوم” منذ شهور.
طوابير القهر.. انتظار يمتد من الفجر حتى اليأس
وعلى مقربة من “تكايا” الطعام القليلة، يقف “أبو رائد” 50 عاماً في طابور لا ينتهي يقول لـ”القصة” وصوته يملأه انكسار: “أقف منذ صلاة الفجر، إلى الساعة الثانية ظهراً، على أمل أن أصل إلى دوري للحصول على مغرفة واحدة من العدس، أشعر بالخجل وأنا أنظر إلى أطفالي في الخيمة وهم ينتظرون عودتي بوعاء فارغ”.
الحرب في غزة لم تكتفِ بتدمير الجدران، بل استهدفت “كبرياء” الأب الذي بات يرى نفسه عاجزاً عن توفير “رغيف” لأطفاله، في طوابير يمتزج فيها عرق الانتظار بخوف القصف المفاجئ.
أحلام بطعم “الحرمان”
أما الصغار، فقد كبروا قبل أوانهم بمرورهم بتجربة الجوع، الطفلة “سارة” 10 سنوات، تلخص وجع جيل كامل بقولها: “أنا نسيت طعم الفواكه، ونفسي في قطعة شوكولاتة واحدة، ننام ونحن نشرب الماء فقط لكي تشعر بطوننا بالامتلاء”، أحلام أطفال غزة لم تعد “ألعاباً” أو “حقائب مدرسية”، بل صارت “وجبة ساخنة” و كسرة خبز بيضاء لا غبار فيها ولا علف.
سياسة “التجويع”.. حين يقصف الشجر قبل الحجر
الحكاية لا تقف عند نقص المساعدات، بل عند تدمير “القدرة على الإنتاج”، فيروي الحاج “أبو العبد” لـ “القصة”، مزارع فقد أرضه، يصف المشهد قائلاً: “الاحتلال لم يقصف الحجر فقط، بل قصف الشجر وجرف الأرض لكي يقتل فينا روح الحياة نحن شعب يعتز بلقمته، والآن ننتظر طرد المساعدات، الذي قد يسقط في البحر أو يضيع في الزحام”.
إن كفاح المدنيين في غزة ضد الجوع هو أقصى درجات “المقاومة الصامتة”، إنها قصة شعب يُصر على “ترتيب مائدته” من الركام، و يطبخ صبره على نار الحطب، بانتظار يوم يستعيد فيه كرامة رغيفه وأرضه.
