أكبر قيادي في حماس داخل غزة
في غزة، الصمت أحياناً يكون أبلغ من الرصاص، والأسماء التي لا تظهر في الإعلام هي ذاتها التي ترسم خرائط الميدان، برحيل عز الدين الحداد أبو صهيب، قائد لواء شمال غزة في كتائب القسام، يفقد الميدان واحداً من أصلب عقوله العسكرية، لم يكن الحداد مجرد “رقم صعب” في المجلس العسكري، بل كان “أمين سر” الشمال، والرجل الذي حول الجغرافيا المحاصرة إلى ثقب أسود ابتلع أوهام “الحسم السريع”.
لواء الشمال.. “الجمهورية” المستعصية
يُعرف الحداد بأنه القائد الميداني الذي لم يغادر موقعه في شمال قطاع غزة منذ اللحظة الأولى للحرب تحت إمرته، تحول لواء الشمال جباليا، بيت حانون، بيت لاهيا إلى منظومة دفاعية “لامركزية”.
عقلية البقاء، استطاع الحداد الحفاظ على تماسك اللواء لأكثر من عام تحت حصار خانق وفصل كامل عن قيادة الجنوب، مما أثبت عبقريته في بناء “خلايا القيادة البديلة” التي تعمل بشكل مستقل وفعال.
مهندس “الاستنزاف”، ينسب إليه الفضل في إدارة معارك جباليا الشهيرة، حيث اعتمد تكتيك “الكمائن المركبة” التي تستهدف القوات المتوغلة، ثم القوات التي تأتي لإنقاذها، مما جعل تكلفة التوغل في الشمال باهظة جداً.
المطلوب “رقم 1” في قوائم الاغتيال
وضعت الاستخبارات الإسرائيلية عز الدين الحداد على رأس قائمة الأهداف “الذهبية” من مطاردة الأشباح حيث رصدت إسرائيل مكافآت مالية ضمة تجاوزت الـ 750 ألف دولار في بعض المنشورات لمن يدلي بمعلومات عنه، ووصفته بـ “الرجل ذي الأرواح السبعة” لنجاته من محاولات اغتيال عديدة في حروب 2008، 2012، و2014، وصولاً إلى الحرب الأخيرة.
وكان هو تحدي الصورة، رغم أن صوره نادرة، إلا أن إسرائيل كانت تطارد “عقله” المتمثل في الخطط الميدانية التي كانت تنفذ بدقة متناهية في مناطق دمرتها القنابل تماماً.
القائد الصامت والزهد الإعلامي
على عكس الكثير من القادة، كان “أبو صهيب” يؤمن بأن “الفعل هو الذي يتحدث” تميز بشخصية كتومة جداً، وزهد في الظهور العلني حتى في العروض العسكرية قبل الحرب هذا الغموض هو ما منحه لقب “الشبح”، حيث كان يدير آلاف المقاتلين دون أن يعرف مكانه أو حتى نبرة صوته الحقيقية لمعظم الناس، مكتفياً بالتواصل عبر قنوات “الشيفرة” العسكرية المعقدة.
رحيل القائد.. ماذا يترك خلفه؟
رحيل الحداد ليس مجرد غياب لقائد عسكري، بل هو اختبار حقيقي للمنظومة التي بناها.
إرث القيادة اللامركزية: ترك الحداد خلفه جيشاً من القادة الميدانيين الذين تدربوا على “الإدارة الذاتية”.
رمزية الصمود: رحيله وهو في “شمال القطاع” وبين مقاتليه، يعزز من رمزيته كقائد رفض النزوح أو التخلي عن منطقته، وهو ما يمنح مقاتليه “وقوداً معنوياً” للاستمرار على نهجه.
كيف رحل “صاحب الأرواح السبعة”؟
بعد رحلة طويلة من المطاردة، لم يأتي رحيل الحداد في “نفق عميق” أو مخبأ سري بعيد، بل جاء وهو في “المسافة صفر” من جنوده وميدانه، حيث نفذت عملية الاغتيال عبر غارة جوية استهدفت “مربعاً أمنياً” في قلب الشمال، بعد عملية مراقبة استخباراتية معقدة لتحركاته القيادية، سقط الحداد ومعه عدد من مساعديه، ليختتم مسيرته وهو يدير المعارك من المناطق التي كان الاحتلال يدعي “تطهيرها” مراراً.
وكانت الفاتورة الباهظة هي تصفية الحداد جاءت بعد أن دفع الجيش الإسرائيلي ثمناً باهظاً في “لواء الشمال” اللواء الذي ظل الحداد يرمم جراحه ويعيد بناء كتائبه كلما ظن الخصم أنه انتهى.
وها قد انطوت صفحة عز الدين الحداد الجسدية، لكن “عقيدته القتالية” لا تزال تنبض في أزقة جباليا وأنفاق بيت لاهيا، رحل الرجل الذي لم تره أعين “المسيرات” ولم تصله أجهزة “الاستشعار”، تاركاً خلفه واقعاً ميدانياً يقول إن “الروح التي زرعها في الشمال لا تموت بموت صاحبها”غاب الحداد، وبقيت القصة التي لم تكتب فصولها الأخيرة بعد.