أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

الإبادة الصامتة.. كيف حوّل الاحتلال بيئة غزة إلى سلاح حرب؟

اجتاحت حرب الإبادة الجماعية التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة كل أشكال الحياة بلا هوادة؛ فنالت من الإنسان بالقتل والتهجير والتجويع والتعطيش، ونالت من الأرض بتدمير بيئتها وتسميم مواردها، إن استخدام التدمير البيئي كسلاح في هذه الحرب يمثل الوجه المقابل للإبادة الجماعية؛ فهو قتل صامت ومؤجل، يمتد وراء الأفق الراهن. إن الكارثة البيئية التي خلّفها هذا العدوان أهلكت الحاضر وزرعت في تراب غزة ومائها بذور فناء طويل الأمد، يهدد سلامة وحياة الأجيال التي لم تولد بعد، ويجعل من فكرة الاستقرار في الوطن تحدياً وجودياً مستمراً.

في غزة دمرت المكونات البيئية بشكل ممنهج يهدد الوجود البشري، في تخريب متعمد لا يقف عند حدود الإضرار بالطبيعة بل يمتد لينهش أجساد السكان؛ حيث تفتح البيئة الملوثة الأبواب على مصراعيها لزحف الآفات والأوبئة والقوارض، وتدفق الأمراض الناتجة عن السموم والإشعاعات والانبعاثات الغازية الخانقة.

إن سلامة البيئة هي الأساس الحامي للبشرية؛ وبدون بيئة آمنة يجرد الإنسان من أبسط معايير الكرامة ويُترك وحيداً.

أخبار ذات صلة

الأزمة الأمريكية الإيرانية
بين التصعيد والتفاوض.. إلى أين تتجه الأزمة الأمريكية الإيرانية؟
علي أيوب
تأييد حبس المحامي علي أيوب 3 سنوات في بلاغ وزيرة الثقافة
IMG_20260521_134119
خطة إنقاذ.. تفاصيل قرض الـ 200 مليون يورو لشركة الدلتا للأسمدة

تؤكد تقارير منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والتقارير الدولية أن التدمير الممنهج للبيئة في قطاع غزة قد خلّف آثاراً جسيمة كارثية على الصحة العامة للسكان وعلى منظومة حقوق الإنسان كافة؛ حيث تراجع تزويد السكان بالمياه بشكل خطير، جراء استهداف وتدمير آبار المياه الجوفية وشبكات النقل، لتنخفض حصة الفرد اليومية إلى مستويات شحيحة لا تتعدى حوالي (14 لترًا) من مياه الاستهلاك العام، ونحو (8 لترات) فقط من مياه الشرب، في وقت بلغت فيه نسبة المياه غير الصالحة للاستخدام البشري 97% جراء التلوث الكاسح الذي أصاب الخزان الجوفي.

وتسببت الأضرار الهيكلية التي لحقت بالبنية التحتية وانقطاع التيار الكهربائي في توقف كافة أنظمة ضخ ومعالجة مياه الصرف الصحي، مما أدى إلى فيضان المياه العادمة وتدفقها في الشوارع والأحياء السكنية وبين خيام النازحين المكتظة، فضلاً عن تسربها إلى مياه البحر حاملةً معها أخطاراً صحية وبيئية بالغة الخطورة.

وتعطلت تماماً عمليات نقل النفايات الصلبة بأنواعها، بعد منع الوصول إلى المكبين الرئيسيين للنفايات (مكب جحر الديك شرق مدينة غزة، ومكب الفخاري شرق مدينة خان يونس), كما تعطلت آليات التخلص الآمن من النفايات، مما تسبب في انتشارها العشوائي بين السكان في مكبات غير مؤهلة وغير صحية، ويقدّر إجمالي كميات النفايات المتراكمة في القطاع بحوالي (مليون متر مكعب) من المخلفات المتنوعة كالنفايات المنزلية والمخلفات البشرية وعوادم الصرف الصحي والنفايات الطبية الخطرة.

وتلوثت البيئة الهوائية جراء الغبار والأدخنة والانبعاثات من الأسلحة المستخدمة، وجراء التدمير الكبير للمباني الأسمنتية.

أما التربة، فقد تعرضت لانتهاكات منظمة جسمية وعميقة الاثر، جراء قصفها المستمر بأسلحة مختلفة مجهولة النوع والأثر البيولوجي؛ مما شكل خطورة داهمة انعكست مباشرة على حياة السكان والقطاع الزراعي، إذ أدت تلك الانفجارات إلى تفتيت البنية الأساسية للتربة، وزيادة معدلات نفاذيتها وفقدانها القدرة الفطرية على الاحتفاظ بالمياه، فضلاً عن تآكل وجرف طبقتها السطحية الخصبة.

وهذه الجرائم تؤكد استخدام قوات الاحتلال الإسرائيلي للتدمير البيئي كسلاح حرب، ما تسبب في ظهور وانتشار عدة أمراض بين سكان قطاع غزة مثل: الإسهال، الكوليرا، والدوسنتاريا، وأمراض الكلى والمسالك البولية، والأمراض الجلدية، وداء التهاب الدماغ، انفلونزا المعدة، داء الجيارديا، داء البريميات، ميثيموغلوبين الدم (متلازمة الطفل الأزرق)، شلل الأطفال، داء السالمونيلا، وألم الصدر، السعال ومشاكل الرئة، وتهيج العين، تعطِّل الغدد الصماء، السمية الجينية والطفرات الجينية، التشوهات الخلقية، السمية العصبية، والسرطان.

في قطاع غزة، تتجاوز جرائم الاحتلال حدود الاستهداف العسكري التقليدي لتبسط دمارها بشكل شامل على البشر والشجر والحجر، في ظل حصانة مستهجنة وصمت دولي مريب يعطل آليات المساءلة والمحاسبة التي نصت عليها المواثيق الدولية والأجسام الأممية.

ويتضح من القراءة التحليلية لمسار العدوان منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أن سلطات الاحتلال قد وظفت التدمير البيئي الشامل كأداة حرب إستراتيجية وسلاحٍ مكمل لجريمة الإبادة الجماعية، متحللة من كافة التزاماتها ومواثيقها الدولية.

لقد استهدفت آلة الحرب الإسرائيلية بشكل منظم ومقصود البنية التحتية الحيوية؛ فنالت من قطاعات المياه والصرف الصحي والنفايات الصلبة والبيئة الهوائية والتربة، في انتهاكات صارخة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالإضافة إلى جريمة الإبادة الجماعية.

إن سلوك قوات الاحتلال الإسرائيلي لا يمثل مجرد خروقات عابرة، بل يشكل جملة من الجرائم؛ إذ جرى بموجبه تقويض منظومة الحقوق المتكاملة للسكان، بدءاً من حقهم في بيئة سليمة ونظيفة، وحقهم في مياه كافية ومأمونة، وصولاً إلى حقهم في الغذاء، والصحة، والسكن، والتعليم، وهي في مجملها روافد تصب في المصادرة المتعمدة للحق الأسمى وهو الحق في الحياة.

وفي قراءة لقواعد القانون الدولي الإنساني، يظهر عجز الاحتلال المتعمد عن الوفاء بمسؤولياته في حماية المدنيين الواقعين تحت سيطرته، إذ استهدف الأعيان المدنية بشكل مباشر، وعطل سبل البقاء الأساسية من غذاء ومياه صحية وصرف صحي ومنظومات تخلص آمن من النفايات، معرقلاً المنشآت الحيوية التي لا غنى عنها لاستمرار الوجود البشري.

واستناداً على المعطيات الميدانية والتوثيقية، فإن تدمير المكونات البيئية لم يعد مجرد أثر جانبي للعمليات العسكرية، بل هو ركن أصيل من أركان جريمة الإبادة الجماعية، صمم بدقة لخلق ظروف معيشية قاسية ولا إنسانية، تفضي في نهاية المطاف إلى الإهلاك الفعلي لسلامة السكان ومستقبلهم على هذه الأرض.

وبناء على ما تقدم، لم يعد أمام الضمير العالمي أي مساحة للمناورة أو الاختباء خلف الكلمات؛ فالإبادة الجماعية التي يتعرض لها الإنسان والأرض والبيئة في غزة تحتم تحركاً دولياً قاطعاً ينهي هذا العدوان فوراً وبلا شروط أو أشكال صورية وإعلامية لوقف الحرب. يجب أن تنتهي حقبة الحصانة المخزية التي تمتع بها القتلة، وأن يوضع حد لسياسة الإفلات من العقاب عبر توفير حماية دولية حقيقية للشعب الفلسطيني الأعزل. إن إرسال لجنة تحقيق دولية مستقلة لتوثيق فظائع التدمير البيئي لم يعد ترفاً قانونياً، بل هو صرخة الأرض المستباحة والكائنات التي أُبيدت والأجيال التي لم تولد بعد، بفعل أسلحة محرمة وظفت الطبيعة كقاتل مأجور. إن العدالة المؤجلة هي جريمة مستمرة، وإنقاذ غزة اليوم هو إنقاذ لما تبقى من كرامة لهذا العالم.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG_20260521_131926
تمرد جمهوري صامت.. هل بدأت معركة كبح ترامب من داخل حزبه؟
بدر الدين عطية
حزب الكلب ذي القدمين
كروان مشاكل
"الإعلى للإعلام" يخاطب "القومي للاتصالات" و"النيابة العامة" بشأن كروان مشاكل
IMG-20260501-WA0004-150x150
الإبادة الصامتة.. كيف حوّل الاحتلال بيئة غزة إلى سلاح حرب؟

أقرأ أيضًا

أسطول الصمود - أرشيفية
أستاذ قانون دولي: إسرائيل تمارس القرصنة وتخرق القوانين والاتفاقيات الدولية
محمد الحملي
الأحوال الشخصية.. الأزهر آخر من يعلم
عبد الرحمن مجدي الحداد
ماذا تغير في العلاقات الصينية الأمريكية بعد زيارة ترامب؟
عصام سلامة
نحو جغرافيا استراتيجية جديدة.. كيف تحولت العاصفة الأمريكية في الشرق الأوسط إلى فخ قطبي؟