شهدت الأيام الأخيرة وقائع قبض على عدد من المحامين المهتمين بالشأن العام.
فأصبح المحامي هو المتهم وليس الدفاع الذي يساعد المتهمين.
جاءت البداية مع تنفيذ حكم بالحبس 3 سنوات ضد المحامي علي أيوب في تهمة سب وقذف وزيرة الثقافة.
وبعدها بساعات ألقى القبض على المحامى محمد أبو الديار القيادي بلجنة الدفاع عن سجناء الرأي.
وفي صباح اليوم التالي جاء خبر إلقاء القبض على المحامية وفاء المصري حنان طنطاوي.
وكان من اللافت أن الثلاثة أعضاء مؤسسين في لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، اللجنة التى بدأت عملها منذ عدة أشهر لمتابعة أوضاع السجناء والتواصل مع أسرهم والدفاع عن حقوقهم.
وبين الأحكام القضائية والاتهامات المختلفة ،يفرض السؤال نفسه من جديد: لماذا أصبحنا نرى المحامين في دوائر الاتهام والتحقيق؟
وهل كان من المصادفة أن بعض الأسماء التي طالتها الإجراءات الأخيرة أعضاءٍ في لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، أم هناك دلالات أوسع وراء هذا المشهد؟
المحامي ياسر سعد قال لـ “القصة” إن الحديث عن وقائع القبض على المحامين ليس ظاهرة حديثة، موضحًا أن هناك أعدادًا من المحامين المقبوض عليهم أو المحبوسين احتياطيًا منذ أعوام طويلة، وحتى الآن ليس هناك حصر واضح أو بيان رسمي صادر عن نقابة المحامين أو الجهات المعنية لتحديد عدد المحامين المحبوسين وأسباب حبسهم.
وأضاف سعد أن هذا الملف يعد مطروحًا منذ سنوات ،وكانت هناك العديد من الحملات والمطالبات والاتصالات والصغوط لكن كانت الأزمة الرئيسية في نظره تكمن في استمرار تجاهل ملف المحامين المحبوسين وغياب موقف واضح تجاه ذلك.
وأشار سعد إلى أن الوقائع التى حدثت في الأيام الأخير مع عدد من المحامين ليست حالة استثنائية، لأن هناك محامين تعرضوا من قبل للقبض أو الملاحقات الأمنية بسبب نشاطهم العام أو النقابي، وهناك حالاتأخرى بسبب ممارستهم لمهنتهم ذاتها. مؤكدا أن الأزمة أكبر من الوقائع الأخيرة.
وانتقد سعد ما وصفه بحالة “التنصل” من ملف المحامين المحبوسين، مع غياب دور نقابة المحامين في إعلان عدد المحامين المحبوسين منذ سنوات، إضافة إلى عدم تقديم الدعم اللازم لهم ولأسرهم، خاصة تلك المسؤوليات الواقعة على الجهات المختلفة تجاههم.
وأوضح سعد أن قانون المحاماة يتضمن بالفعل حقوقا وضمانات للمحامين وقت التحقيق أو القبض عليهم، منها إخطار النقابة واتخاذ الإجراءات المنصوص عليها قانونا، مشيرا إلى أن الأزمة ليست في النصوص نفسها إنما في مدى الإلتزام بتطبيقها على أرض الواقع
وأضاف أن المحامي بحكم طبيعة عمله يكون أول من يتعامل مع قضايا المواطنين ومشكلاتهم القانونية، ما يجعله أكثر احتكاكا بالملفات العامة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالمحامين المنخرطين في العمل السياسي أو الحقوقي، بل امتدت إلى محامين مهنيين لا يمارسون نشاطا سياسيا من الأساس.
وطالب ياسر سعد نقابة المحامين بضرورة وجود موقف واضح لها بشأن هذا الملف وتفعيل الضمانات القانونية التى ينص عليها الدستور لحماية المحامين أثناء تأدية عملهم.
وأكدت الدكتورة كريمة الحفناوي، القيادية بالحزب الاشتراكي المصري، لـ “القصة” أن الحديث عن وقائع القبض والملاحقات القانونية بحق المحامين والحقوقيين ليس معزولا عن سياقه العام، موضحة أنه لا يمكن فصل هذا الملف عن الإطار الدستوري والقانوني المنظم لحرية الرأي والتعبير في مصر. وأشارت إلى أن دستور 2014، خاصة المادة 71 منه، ينص بوضوح على عدم جواز الحبس في قضايا النشر، ويكفل حرية التعبير السلمي بمختلف الوسائل كالكتابة والحديث والفن، باستثناء حالات التحريض على العنف أو التعرض للأعراض.
وأضافت الحفناوي أن حرية التعبير لا تقف عند حدود الدستور المصري فحسب، بل هي حق أصيل منصوص عليه في الاتفاقيات الدولية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فضلا عن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.
لكنها اعتبرت أن الأزمة الرئيسية تكمن في غياب الالتزام بتطبيق هذه النصوص والضمانات القانونية على أرض الواقع.
كما أشارت الحفناوي إلى أن الحبس الاحتياطي تحول في كثير من الحالات من إجراء احترازي إلى عقوبة في حد ذاته، لافتة إلى أن القانون يضع سقفا زمنيا محددا للحبس الاحتياطي يتوجب بعده إما الإفراج عن المتهم أو إحالته للمحاكمة.
وانتقدت الحفناوي اللجوء إلى ما يعرف بـ”التدوير” وإدراج المحتجزين في قضايا جديدة، مؤكدة أن هذا الأسلوب يؤدي عمليا إلى إفراغ النصوص القانونية من مضمونها، بالتزامن مع تكرار اتهامات معلبة بحق سجناء الرأي مثل “نشر أخبار كاذبة” أو “الانضمام لجماعة إرهابية”.
وأوضحت الحفناوي أن التحديات امتدت لتشمل المحامين أنفسهم أثناء الدفاع عن سجناء الرأي، حيث يواجه بعضهم صعوبات بالغة في الاطلاع الكامل على ملفات القضايا أو ممارسة دورهم الدفاعي بالشكل المطلوب، مشددة على أن هذا التضييق ينعكس بصورة مباشرة على حقوق المتهمين وضمانات المحاكمة العادلة.
وتطرقت الحفناوي إلى الأوضاع المأساوية لأسر المحتجزين، مؤكدة أن الأهالي يتحملون أعباء مادية ونفسية هائلة جراء إجراءات الزيارات ومتابعة ذويهم، تحديدا في الحالات التي يكون فيها المحتجز هو العائل الرئيسي والوحيد للأسرة.
وعن طبيعة عمل “لجنة الدفاع عن سجناء الرأي”، أوضحت الحفناوي أن اللجنة تأسست من محامين وسياسيين وشخصيات عامة وأهالي المحتجزين بهدف رئيسي وهو المطالبة بتطبيق الدستور والقانون، ورفض استمرار الحبس الاحتياطي والتدوير، والمطالبة بالإفراج والعفو عن المحكوم عليهم في قضايا الرأي.
وأضافت أن المحامين داخل اللجنة يمارسون دورهم المهني الطبيعي، متسائلة باستنكار عن أسباب ملاحقة واحتجاز المدافعين عن سجناء الرأي رغم أن نشاطهم لا يتعدى العمل القانوني والحقوقي.
كما شددت الحفناوي على أن التضييق على المحامين أو أعضاء اللجنة لن يثنيهم عن مواصلة طريقهم، مؤكدة أن الأهالي سيستمرون في السعي للدفاع عن أبنائهم، كما سيواصل المحامون أداء رسالتهم المهنية في الدفاع عن موكليهم والمطالبة بتطبيق القانون.
وأكدت كريمة الحفناوي على أن لجنة الدفاع نجحت بالفعل في إيصال صوت المحتجزين وأسرهم وتسليط الضوء على المخالفات القانونية في هذا الملف، واضعة حدا لحديثها بعبارة رأت أنها تلخص وتصلح عنوانا للمشهد بأكمله: “خايفين من الكلمة الحرة ليه؟”.