أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

حسين عبد الرحمن حماد

سردية الوجوه المطفأة.. تراجيديا الحياة والحرب في غزة

في قطاع غزة، تلك البقعة الهادئة الثائرة الممثلة للكل الفلسطيني، التي عانت عدوانات متعددة حتى وصلت جريمة الإبادة الجماعية التي لا تزال ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، الذي يثبت يوما بعد يوم أنه شكلي صوري، أينما تول وجهك في غزة لا ترى سوى الدم والركام والدموع، فلا متسع في القطاع للفرح أو العيشة الهادئة الهانئة، في مختلف مناطق قطاع غزة، لم تكتف حرب الإبادة بهدم الحجارة وسفك الدماء، بل تغلغلت عميقا لتلتهم النبض وتفترس الإنسانية لمن نجوا من المحرقة والتدمير، فقد تحولت الحياة إلى جحيم يومي، وطال الأثر النفسي والاجتماعي الكبير والصغير، في مأساة مرعبة غيرت ملامح البشر، وتبدلت معها النفوس، لتكتب فصلا تراجيديا لم يوثق بكامل صورته بعد في سردية المعاناة الفلسطينية منذ النكبة وحتى هذه النقمة المتواصلة، إنها حكاية قبل وبعد، حكاية الحياة والموت، حكاية الوجوه التي كانت تشع حياة فأطفأتها نيرانإرسال إلى الديسك الحرب.

تأملوا حال أبو غسان، ذلك الرجل الذي كان لا يخرج إلى عمله ومكتبه إلا بأبهى هندام، متعطرا بأجمل العطور وأغلاها، مستقلا سيارته الفارهة ليقضي يومه بين جهد مثمر وراحة وسعادة، اليوم، يعيش أبو غسان في خيمة ضيقة كالفرن، أشبه بغرفة إعدام بطيء، لا يملك إلا بقايا ملابس مهترئة، وتفوح منه رائحة عرق الكدح وغبار الطرقات، ولم يعد له من عمل أو أفق سوى الجري خلف جالونات المياه لتعبئتها، أو حمل طنجرة عتيقة يترقب بها دورا في التكية ليطعم ويسقي صغاره الذين ينظرون إليه كمخلص وحيد في زمن الجوع، وهو حال مئات الآلاف من الموظفين والعمال الذين انقلبت حياتهم من ممارسة للحياة إلى ممارسة لأشكال متعددة من الموت اليومي، وليس بعيدا عنه، ترقد أم علي، سيدة المجتمع، المرأة التي كانت رمزا للأناقة والموضة، يعرفها أصحاب أرقى محلات الملابس الفاخرة، وتضج حياتها بالنشاط الاجتماعي والمؤسساتي، وتهتم بكل تفاصيل ديكور غرفتها وبيتها الذي تحول إلى ركام، أم علي صارت اليوم امرأة أخرى، بائسة، يائسة، رثة الثياب، زاهدة في الحديث مع البشر، تنزوي في ركن خيمتها الباردة، ولا تكاد تقوى على حمل جسدها المثقل بالهموم لتؤدي ما يطلبه منها واقع النزوح المرير، وهذا حال عشرات الآلاف من النساء اللواتي حملتهن الحرب أعباء فوق أعبائهن المنزلية والمجتمعية والمهنية، فأصبحن بلا حافز ولا هدف، يعشن في دائرة مفرغة من الأعمال اليومية التكرارية، يندبن حظوظهن وحياتهن التي أنهتها الحرب.

حتى الأحلام الغضة البسيطة شوهتها الحرب بقسوة، فالطفل عبد الله، ذلك الطالب الفذ الهادئ والمهذب، الذي كانت عائلته تتباهى بتفوقه ونيله الدرجات الكاملة في كافة المواد الدراسية، وتحيطه بكل وسائل النجاح والتقنيات والأجواء التشجيعية، أمست الحرب تطحن كرامته وعنفوانه كل يوم، لقد وجد نفسه عاجزا عن حجز دور في طابور الخبز أو طابور المياه الحلوة أو طابور التكية أو حتى طابور طبق البيض، طوابير تلتهم عمره وتحرمه من مواصلة دراسته أو مساعدة عائلته، حتى تحول ذلك الفتى الوديع بفعل القهر والحرمان إلى شخص شرس وعدواني، يفتعل المشاكل مع من حوله، تفريغا لبركان الغضب المكبوت في صدره، وحال عبد الله كحال مئات الآلاف من الطلبة الذين فقدوا جامعاتهم ومدارسهم وحتى رياض الأطفال، وفقدوا زملاءهم على مقاعد الدراسة، وفقدوا كتبهم وقرطاسيتهم، والآن يعاني ذووهم في توفير حقهم في التعليم المناسب في ظل انهيار المنظومة التعليمية، أما المأساة التي تدمي القلب، فهي حكاية أبو ناجي، الرجل الطيب الودود المبتسم في وجه الكبير والصغير بالمخيم، الذي أمضى زهرة شبابه خلف قضبان سجون الاحتلال، قبل أن يمارس عمله ويزرع المحبة أينما حل، لقد داهمه المرض اللعين ومنعته قوات الاحتلال من التنقل والسفر للعلاج، وفي بداية الحرب ومع انهيار المنظومة الصحية، لم يقو جسده المنهك على المقاومة، وبمعجزة، خرج للعلاج في إحدى الدول العربية وكتبت له النجاة، وفي بلاد الاغتراب، وبعد أن كبر مهللا بقدوم العيد والعودة القريبة إلى وطنه، توقف قلبه المتعب من لوعة الفراق وألم البلاد، وحلقت روحه إلى السماء مغتربا تاركا غصة لا تبرأ، وحال أبو ناجي كحال الآلاف من المرضى والجرحى الذين لم يستطيعوا السفر أو الوصول للعلاج، فإما لاقوا حتفهم، أو تأخرت حالاتهم الصحية نتيجة المنع والتأخير ونقص العلاج وتدمير المنظومة الصحية في قطاع غزة، هذه هي تراجيديا الدم والدموع في غزة ويوميات الحرب، تقلبات قاسية بين اللا حياة واللا موت، بين الحاضر والمستقبل، بين الأمل واليأس، مقارنات تنزف قهرا بين ما كان أهل غزة عليه وما صاروا إليه، إنها حرب الإبادة التي لم تستهدف الأجساد بالقتل فقط، بل سحقت الكبرياء وأطفأت الشغف وحولت الأحلام إلى مجرد غريزة للبقاء، ورغم كل هذه القسوة، تبقى الحكايا شاهدا حيا على حقيقة الحرب وبشاعة نتائجها وجريمة قوات الاحتلال، كذلك على القدرة على الصبر والاحتمال التي يرتكز عليها أهل غزة وهم يعيدون تعريف معنى الحياة من قلب الموت.

أخبار ذات صلة

8a627384-ee1b-4891-90cc-df426628fe1e
سردية الوجوه المطفأة.. تراجيديا الحياة والحرب في غزة
عبد الغني الحايس
خواطر متناقضة
أحمد دومة و سيد مشاغب
11 عامًا من القضايا والسجون وقرار جديد بتجديد حبسه.. ماذا حدث لسيد مشاغب؟

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

جيهان زكي وزيرة الثقافة
النقض تؤجل نظر طعني وزيرة الثقافة.. وسهير عبد الحميد تكشف لـ "القصة" مستجدات القضية
عبد الرحمن مجدي الحداد
اغتيال محمد عودة.. كيف تحافظ "القسام" على تماسكها الهيكلي؟
المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
تعرف على ضوابط "آداء الإعلام الرياضي" خلال نقل مباريات كأس العالم
مجلس النواب
"المسؤول في الحج" جملة تشعل الجدل داخل "صناعة النواب".. ما القصة؟

أقرأ أيضًا

الكاتب الصحفي عمرو بدر
عمرو بدر يكتب: زلزال الحركة المدنية.. هذا هو المسؤول
شيماء سامي
لكن في اليوم التالي لم يمت أحد.. عن أبي والشهوة والخلود
IMG_3620
بعد نفي جميع أحزاب الحركة المدنية علاقتها به.. من كتب "بيان القصر"؟
IMG-20260531-WA0033
أحمد سراج يكتب: رئيس هيئة الكتاب.. أم هيئة الكتاب!!