تتزايد التساؤلات حول طبيعة الحروب والصراعات خاصة مع تصاعد الحديث عن اتفاق أمريكي إيراني جديد، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه سيشكل “جداراً” يمنع طهران من امتلاك السلاح النووي.
وبينما تتباين الروايات بشأن حجم المكاسب والخسائر التي حققها كل طرف، يطرح المشهد الراهن سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت الحروب الحديثة ما زالت تستهدف تحقيق انتصار حاسم، أم أنها أصبحت وسيلة لتحسين شروط التفاوض وإدارة الصراع بدلاً من حسمه.
إيران وأمريكا.. منطق الصمود المتبادل
في هذا السياق قال الدكتور مختار غباشي المحلل السياسي لـ “القصه” إن ما جرى بين إيران والولايات المتحدة يعكس إلى حد كبير مفهوم إدارة الصراع أكثر من مفهوم الانتصار الكامل، موضحاً أن طهران نجحت في فرض حالة من الندية السياسية والاستراتيجية أمام واشنطن، وهو ما شكل مفاجأة لكثير من المراقبين.
وأضاف أن إيران، رغم ما تعرضت له من ضغوط وخسائر، استطاعت الصمود وعدم الانهيار أمام الضغوط الأمريكية، بينما تمكنت الولايات المتحدة من الحفاظ على أدوات الضغط والتأثير، ما جعل المشهد أقرب إلى حالة من الخسائر والمكاسب المتبادلة دون قدرة أي طرف على فرض إرادته بصورة كاملة على الطرف الآخر.
وأشار الدكتور مختار غباشي إلى أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتفاق مرتقب مع إيران يعكس رغبة واشنطن في ترجمة ما تعتبره مكاسب سياسية وعسكرية إلى نتائج تفاوضية ملموسة، مؤكداً أن الطرف الأقوى أو الأكثر قدرة على تحقيق الإنجازات خلال مراحل الصراع يكون عادة الأقدر على انتزاع مكاسب أكبر على طاولة المفاوضات.
وأوضح أن أي اتفاق لا يعني بالضرورة تحقيق جميع أهداف أحد الأطراف، بل يمثل تسوية مؤقتة يحاول كل طرف من خلالها الحفاظ على أكبر قدر من مصالحه وتقليل حجم خسائره، خاصة في الملفات الحساسة المرتبطة بالأمن الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني.
الحروب الحديثة.. التفاوض بعد الاستنزاف
وأكد غباشي، أن الحروب في القرن الـ 21 لا تزال تُخاض من أجل تحقيق الانتصار، إلا أن طبيعة الصراعات الحديثة تجعل الوصول إلى انتصار مطلق أمراً بالغ الصعوبة في كثير من الحالات.
وأضاف أن العديد من النزاعات تنتهي في نهاية المطاف إلى التفاوض، ليس لأن الأطراف لم تكن تسعى للانتصار، وإنما لأن موازين القوى وتعقيدات الواقع السياسي والعسكري تجعل الحسم الكامل أمرًا غير ممكن، وهو ما يدفع المتصارعين إلى البحث عن تسويات تحفظ مصالحهم الأساسية.
وشدد غباشي على أن حجم المكاسب التي يحققها أي طرف خلال المفاوضات يرتبط بدرجة كبيرة بقدرته على الصمود وتحمل الضغوط أثناء مراحل الصراع، وليس فقط بحجم القوة العسكرية التي يمتلكها.
وأوضح أن التفاوض في نهاية النزاعات لا يعني تساوي الأطراف في النتائج، بل يعكس قدرة كل طرف على توظيف ما حققه ميدانياً وسياسياً للحصول على أفضل الشروط الممكنة، مؤكداً أن الصراعات المعاصرة أصبحت مزيجاً من المواجهة والتفاوض في آن واحد، حيث تتداخل القوة العسكرية مع الحسابات السياسية لصياغة توازنات جديدة قد لا تمنح نصراً كاملاً لأحد، لكنها تفرض على الجميع البحث عن تسويات قابلة للاستمرار