لم يكن قرار البنك المركزي المصري بتشديد قيود تمويل البنوك لشركات التمويل الاستهلاكي والجهات غير المصرفية مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول مستقبل سوق التمويل غير المصرفي، خاصة بعدما كشفت الهيئة العامة للرقابة المالية أن حجم محافظ التمويل غير المصرفي بلغ 417 مليار جنيه بنهاية عام 2025.
فهل يخشى البنك المركزي من تكوّن فقاعة ائتمانية نتيجة التوسع السريع في التمويل والشراء بالتقسيط؟ أم أن ما جرى لا يتجاوز كونه تحركًا استباقيًا لإعادة ضبط إيقاع الائتمان قبل ظهور أي مخاطر؟ سؤال حملته “القصة” إلى خبراء الاقتصاد، فجاءت الإجابات متفقة على أهمية القرار، لكنها اختلفت في تفسير دوافعه وما قد يترتب عليه خلال المرحلة المقبلة.
إدارة للمخاطر.. لا أزمة
يرى الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب، أن القرار لا ينبغي تفسيره باعتباره مؤشرًا على وجود أزمة داخل القطاع، وإنما هو إجراء ائتماني يهدف إلى إدارة المخاطر مع النمو المتسارع في نشاط التمويل الاستهلاكي.
وقال في تصريحات لـ”القصة”، إن البنوك من الطبيعي أن تعيد تقييم حجم تعرضها للمخاطر حفاظًا على جودة محافظها الائتمانية، مؤكدًا أن القرار يعكس سياسة مصرفية حذرة أكثر من كونه استجابة لمشكلة قائمة.
ولفت إلى أن المرحلة الحالية تستوجب إصلاحات تنظيمية أوسع، تبدأ بتوحيد معايير الجدارة الائتمانية بين شركات التمويل، ووضع منهجية موحدة لاحتساب الديون المتعثرة والمخصصات، إلى جانب تعزيز تبادل البيانات وربط قواعد معلومات العملاء، بما يمنع تكرار الاقتراض ويمنح صورة أكثر دقة عن حجم المخاطر.
وشدد فؤاد على أن التمويل الاستهلاكي والتمويل متناهي الصغر يمثلان ركيزة أساسية للشمول المالي، ولا ينبغي أن تؤدي الضوابط الجديدة إلى إبطاء نمو القطاع، بل يجب أن تتزامن مع تعاون أكبر بين البنك المركزي والهيئة العامة للرقابة المالية لتوحيد المعايير الرقابية وتحقيق التوازن بين الاستقرار المالي واستمرار نمو السوق.
دروس أزمة 2008
من جانبه، اعتبر الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن قرار البنك المركزي جاء في توقيت مناسب، ووصفه بأنه “خطوة ذكية” تستهدف حماية السوق قبل ظهور أي أزمة.
وقال لـ”القصة”، إن البنوك تمتلك منظومة متكاملة لإدارة الائتمان والاستعلام عن العملاء، ومع ذلك قد تواجه حالات تعثر، فكيف سيكون الوضع بالنسبة لشركات لا تمتلك الأدوات والضمانات نفسها؟ محذرًا من أن استمرار التوسع في التمويل دون ضوابط قد يقود إلى تعثرات وإفلاسات تؤثر في السوق.
وأضاف أن البنك المركزي لا يقتصر دوره على إدارة السياسة النقدية، بل يمتد إلى حماية أموال المستثمرين والحفاظ على استقرار القطاع المالي، مؤكدًا أن القرار لن ينعكس سلبًا على ثقة المستثمرين أو يوقف نمو القطاع، وإنما يعزز سلامة السوق على المدى الطويل.
واستشهد عبده، بالأزمة المالية العالمية عام 2008، معتبرًا أن التوسع غير المنضبط في منح الائتمان كان أحد أبرز أسبابها، وهو ما يجعل التدخل المبكر ووضع الضوابط أكثر فاعلية من انتظار وقوع الأزمة.
ما بعد القرار
ورغم اختلاف تفسير دوافع القرار، فإن تصريحات الخبراء التقت عند نقطة واحدة؛ وهي أن السوق لا يواجه أزمة حاليًا، لكن النمو السريع للتمويل غير المصرفي يفرض تشديد الرقابة وتحديث قواعد إدارة المخاطر. ومع وصول حجم المحافظ إلى 417 مليار جنيه، يبقى السؤال مطروحًا: هل تكون قرارات البنك المركزي بداية لحزمة إصلاحات تنظيمية أوسع تعيد رسم خريطة التمويل غير المصرفي في مصر؟