لا أُنكر أنّ ما حققه المنتخبُ المصري في مونديال كأس العالم 2026م إنجازٌ كبير، يُحْسَب للمنتخب الوطني والجهاز الفني بقيادة الكابتن حسام حسن، وأخيه إبراهيم، ولكنّ المبالغة في الاحتفاء شيء غير مُستساغ، بَيد أنّها أفقدت الإنجاز بريقه في مجتمعٍ يُعاني الفقر، ويُقاوِم ضد تيار الغلاء وجنون الأسعار، التي فَلتَ زمامُها، ولم تفلح معها وعودُ حكومة، وتصريحات مسئولين، يُبشّرون ـ صباح مساء ـ بقرب الفرج بلا جدوى!
ومن مُنطلق مَثَل: «إذا زاد الشيء عن حده انقلب لضده»، أؤكد أنّ تعظيم المسئولين، ورجال الأعمال، والمشجعين لهذا الحدث أمرٌ زاد عن الحد، فزاد احتقانُ البعض، الذين رأوا ـ ومعهم حق ـ أنّ المجتمع يكيل بمكيالين، بل بمكايل عدّة. ففوز المنتخب الوطني في أكثر من مباراة، ووصوله لمرحلة متقدمة، لم تخطر لنا على بال، رغم عظمته، لا يستأهل كلّ هذه الضجة، وكلّ هذه الهدايا والمنح، إذ إنّ هناك كثيرا من الفئات، قدّمت وتُقدّم ما ينفع البشرية عموما ومصر خصوصا، ويعانون الإهمال، ويتقوقعون في غيابات جُبّ النسيان.
كم من طبيبٍ، اكتشفَ علاجاتٍ لأمراضٍ مُستعصية، ولم يسمع بإنجازه إلا القليلُ، ولم يلق أيّ احتفاء وتكريم من المجتمع!
كم من مهندس شيّد وبنى، وابتكر واكتشف ما يخدم البشرية دون أن يلتفت إلى جهده أحد!
كم من كاتبٍ ألّف وصنف، وقدّم عصارة فكره دون أن يحظى بأدنى تكريم!
كم من معلم وأستاذ جامعة، (يُكملون عشاءهم نوما) بلغة العامة، ويعانون الفقر في مجتمع يُنفق الملايين على (لعبة)، نعم هي إحدى القوى الناعمة، ولكنها أولا وأخيرا لعبة.
من نعتبرهم أبطالا في الفريق القومي، وتمّ تكريمهم على أعلى مستوى، هناك الآلاف مثلهم، تنكّر لهم المجتمع، ولم يَشد بجهدهم ودورهم رجالُ الأعمال، كما رأينا وبصورة مستفزّة، تدفع البعض لضرب دماغه في الحائط.
تلك الأمُّ، التي عالت أطفالا أيتاما، ووصلت بهم إلى برّ الأمان، وتخرجوا في الجامعة، هي بطلٌ حقيقي يستحقُّ التكريم!
وذلك الأب، الذي حرمَ نفسه من أجل أولاده، ومارسَ أكثرَ من عمل؛ ليوفّر لأسرته لقمة العيش هو بطلٌ يستحقُّ التكريم!
إنّ المفاضلة الحقيقية تكون بإتقان العمل، أيّ عمل وليس بنوعه.
إنّ سخاء المجتمع مع اللاعبين، والفنانين، يجعل طلاب العلم، يصرفون النظر عن التفوق الدراسي، رغم أنّه ورقةُ الرهان الحقيقية، وليس اللهو واللعب!
وفيما يتعلق بالإنجاز الكروي، أؤكد مرة أخرى أنه برغم أهميته، لا يستأهل كلّ هذه الضجّة الإعلامية، فالرضا بما تحقق وإقامة حفلات الطبل والرقص والزمر تيها وعجبا به، لن يجعلنا أبدا نُفتش عن نقاط الضعف؛ لتقويمها، واقتناصِ الكأس في الدورات القادمة.
إنّ نجاحَ المنتخب الوطني، بجانب جهد الفريق والجهاز الفني، ساعدت في تحقيقه ظروفٌ أخرى، منها أنَّ القرعة أوقعتنا في مجموعة، قابلنا فيها فرقا، يُعدُّ الفريق المصري أعلى منها كعبا، ومن ثم فالفوز عليها كان أمرا متوقعا. وربما اختلفت الحالُ، لو صادفنا فرقا أقوى من البداية.
الأمر الثاني، والذي يجعلني أعضُّ أناملي من الغيظ – برغم جهلي الكروي – أنّ التفوق المصري على الأرجنتين لآخر عشر دقائق من المباراة، ثم انقلاب الطاولة رأسا على عقب، يُؤكد أن مصر وكلّ الفرق العربية والإفريقية، لا تعرف سياسة النفس الطويل، فبرغم جهد الفريق المصري، وانحياز الحكم للفريق المنافس، إلا أننا كنا بحاجة إلى تكتل دفاعي؛ للحفاظ على النتيجة والفوز على الأرجنتين، وضمان التأهل لمرحلة أعلى، وربما المنافسة على الكأس!
أثق في أنّه، سيخرج على المقال مُعترض، يشكّك في وطنيتي، ولكني أصفعه بقول المتنبي، والذي كان يحضّ فيه على التّطلع لمعالي الأمور.
ولست أرى في عيوب الناس عيبا / كنقص القادرين على التمام .
فاللهم اجعل كلامنا خفيفا على كلّ مُعترض!