بينما تتردد في كواليس الأجهزة الاستخباراتية تسريبات عن خطط لسيناريوهات الغزو البري واستغلال ورقة الفصائل الكردية للضغط على طهران، يبرز السؤال الأكثر إثارة للجدل في أروقة السياسة الإقليمية: كيف ستتصرف أنقرة إذا اشتعلت الحريق على حدودها الشرقية؟
هل تنقلب تركيا على الناتو حال اندلعت حرب برية ضد إيران؟
فبينما تزعم تسريبات إسرائيلية وجود تحذيرات تركية بالتدخل لحماية العمق الإيراني، تشير القراءة الواقعية لتحركات أنقرة إلى معادلة أكثر تعقيداً تُحركها “فوبيا التمدد الكردي” وحماية الأمن القومي، بعيداً عن أوهام التحالفات الدائمة أو الاصطدام المباشر مع واشنطن والناتو.
التدخل العسكري المباشر سيناريو بالغ الكلفة
قال الدكتور رامي زهدي، خبير الشؤون الإفريقية والشرق الأوسط، في حديثه لـ”القصة”، إنه من وجهة نظره يبقى احتمال تقديم تركيا دعمًا عسكريًا مباشرًا لإيران ضعيفًا للغاية، حتى إذا تصاعدت الأزمة إلى مواجهة برية، مؤكداً أن السياسة الخارجية التركية تقوم على مبدأ الموازنة بين الأطراف المتنافسة وتعظيم هامش الحركة، وليس الانخراط في حروب مباشرة قد تضعها في مواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو شركائها في الناتو.
وأكد زهدي أن أنقرة قد تقدم دعماً سياسياً أو دبلوماسياً أو إنسانياً، وربما تعاوناً استخباراتياً محدوداً إذا اقتضت مصالحها، لكن الانتقال إلى تدخل عسكري مباشر يمثل سيناريو بالغ الكلفة والمخاطر، موضحاً أن تركيا تنظر إلى أمنها القومي من منظور مستقل نسبياً عن توجهات حلف الناتو، وتسعى منذ سنوات إلى ترسيخ مفهوم “الاستقلالية الاستراتيجية”.
وأضاف الخبير في الشؤون الإفريقية والشرق الأوسط أنه إذا شعرت تركيا أن أي تطور عسكري قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة المنطقة بطريقة تهدد مصالحها، أو يفتح المجال أمام تنامي النفوذ الكردي أو يخل بالتوازنات الإقليمية، فقد تتخذ مواقف أكثر تقارباً مع إيران، مؤكداً أن هذا لا يعني بالضرورة التخلي عن التزاماتها داخل الناتو، بل محاولة إدارة التناقضات بما يخدم المصالح التركية أولاً.
وقال زهدي إنه إذا حدث أي مستوى من الدعم العسكري التركي لإيران، فسيشكل نقطة تحول كبيرة في الإقليم، وسيؤدي إلى توتر غير مسبوق في العلاقات بين أنقرة وواشنطن، وقد يفتح الباب أمام عقوبات وضغوط سياسية واقتصادية جديدة على تركيا، مؤكداً أن ذلك سيدفع العديد من القوى الإقليمية إلى إعادة حساباتها الأمنية والعسكرية، وقد يعزز سباق التسلح والاستقطاب في الشرق الأوسط.
واختتم حديثه لـ”القصة” مؤكداً أن القيادة التركية تدرك هذه التداعيات جيداً، ولذلك ستظل حريصة على عدم تجاوز الخطوط التي تؤدي إلى صدام مباشر مع الولايات المتحدة أو تهدد موقعها داخل الناتو، مشيراً إلى أن السياسة التركية بصفة عامة تتحرك وفق منطق المصالح لا التحالفات الجامدة؛ لذلك فإن احتمالات الدعم العسكري المباشر لإيران تبقى محدودة، بينما يظل الدور السياسي والدبلوماسي هو السيناريو الأكثر واقعية في حال تصاعد الأزمة.
العلاقة بين طهران وأنقرة معقدة
من جانبه، قال أبوبكر خلاف، الباحث في الشأن الإسرائيلي والعلاقات الدولية، في “للقصة”، إن إرسال قوات برية للدفاع عن إيران لا ينسجم مع النمط الذي اتبعته أنقرة خلال السنوات الماضية، لأن ذلك سيعني الدخول في حرب مفتوحة ضد قوى كبرى، وهو ما لا يخدم المصالح الاستراتيجية التركية.
وأكد أبوبكر خلاف أنه في المقابل، إذا أدى أي غزو لإيران إلى تدفق ملايين اللاجئين، أو صعود جماعات كردية مسلحة على الحدود، أو تهديد مباشر للأراضي التركية، فقد تتحرك تركيا عسكريًا لحماية حدودها فقط، وليس للدفاع عن إيران كدولة.
وأضاف الباحث في الشأن الإسرائيلي والعلاقات الدولية حول طبيعة العلاقة الحالية بين أنقرة وطهران بأنها معقدة ويمكن وصفها بأنها “تنافس استراتيجي + تعاون براغماتي”، موضحاً أن الدولتين تتنافسان في سوريا، والعراق، وتختلفان في جنوب القوقاز وفي ملفات النفوذ الإقليمي، مؤكداً أنه في الوقت نفسه توجد بينهما حدود مستقرة منذ قرون، وتجارة وطاقة ومصالح اقتصادية متبادلة، وتنسيق أمني في بعض الملفات خاصة المتعلقة بالحركات الكردية والانفصال، وتحرص كل منهما على عدم تحويل المنافسة إلى مواجهة مباشرة.
وقال الباحث في العلاقات الدولية، إن السيناريو الأكثر ترجيحاً لما يمكن أن تقدمه تركيا إذا تعرضت إيران لغزو بري يتضمن: إدانة سياسية قوية للغزو، ونشاطاً دبلوماسياً مكثفاً لوقف الحرب، ورفض استخدام أراضيها في أي عمليات هجومية ضد إيران إذا تعارض ذلك مع مصالحها، إضافة إلى تعزيز القوات على الحدود الشرقية، ورفع الجاهزية الجوية والدفاعية، وحماية المجال الجوي التركي ومنع انتقال القتال إلى الداخل التركي.
واختتم أبوبكر خلاف حديثه لـ”القصة” مؤكداً أن إرسال فرق مدرعة أو قوات برية للقتال داخل إيران يبقى احتمالاً منخفضاً للغاية في الظروف الحالية، مضيفاً أنه إذا وقع غزو بري لإيران، فمن المرجح أن يكون الموقف التركي على النحو الآتي:
- سياسياً: معارضة الغزو والدعوة إلى الحلول الدبلوماسية.
- عسكرياً: حماية الحدود التركية ورفع الجاهزية الدفاعية، لا الدخول في الحرب إلى جانب إيران.
- استراتيجياً: السعي إلى منع انهيار إيران أو تفككها، لأن ذلك قد يخلق فراغاً أمنياً يضر بالمصالح التركية أكثر من بقاء النظام الإيراني نفسه، دون أن يعني ذلك قيام تحالف عسكري بين البلدين.