أثار عزل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، صاحب مذكرات توقيف بنيامين نتنياهو، من منصبه، ردود فعل صاخبة، خصوصًا مع تصويت ثلاث دول عربية لصالح عزله، هي: المغرب، والبحرين، والإمارات.
واستنكر عدد من السياسيين والقانونيين قرار عزل خان من منصبه، مؤكدين أنه يمثل نوعًا من التواطؤ ضد فلسطين والقضية الفلسطينية، وانتصارًا للجانب الإسرائيلي الذي يمارس، بحسب وصفهم، جرائم إبادة جماعية ضد الفلسطينيين.
كما فتح قرار العزل الباب أمام التساؤلات حول قوة القانون والقضاء الدوليين، وكيفية التعامل معهما من قبل كل من تتعارض مصالحه معهما.
مرزوق: عزل خان يمثل سقوط آخر قلعة للقضاء والقانون الدولي في العالم
قال السفير معصوم مرزوق إن القضاء الجنائي الدولي نظام قديم حديث، وقد برز في محاكمات نورمبرغ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، واستمر، وإن كان بصورة متقطعة، ممثلًا دورًا مهمًا، حيث اضطلع الفقهاء القانونيون بتأصيل هذا الفرع من القانون الدولي.
وأضاف مرزوق، في تصريحات خاصة، أن القانون الجنائي الدولي قطع شوطًا طويلًا حتى استقر فيما يُعرف بـ”نظام روما”، الذي ظهر إلى الوجود بتأسيس المحكمة الجنائية الدولية، المختصة بمحاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب والإبادة والتعذيب.
وأشار إلى أن المدعي العام يتولى التحقيق فيما يتقدم به الشاكون من بلاغات بشأن جرائم تقع تحت طائلة نظام روما، شريطة تقديم الأدلة والشهادات، موضحًا أنه إذا استوثق المدعي العام من تلك الأدلة، فإنه يتقدم بأسماء المتهمين لطلب استدعائهم للمحاكمة.
وتابع: “يسير نظام روما على مراحل، ويعمل وفق مبدأ التكامل بين القضاء الوطني والدولي. فإذا كان القضاء الوطني عاجزًا أو غير راغب في اتخاذ إجراءات بحق مرتكبي الجرائم، يبدأ القضاء الدولي دوره بالمطالبة بإصدار أوامر قبض تتولى الدول الموقعة على النظام مسؤولية تنفيذها بحق المتهمين وإحضارهم أمام المحكمة الجنائية الدولية”.
وأضاف: “حصل المدعي العام السابق كريم خان على ما يكفي من المعلومات والشهادات الموثقة لتقديم أدلة الاتهام، مطالبًا بضبط وإحضار نتنياهو وغالانت وغيرهما من قادة وضباط الجيش الإسرائيلي. ومنذ إصدار هذه الأوامر، أقام النظام الإسرائيلي الدنيا ولم يقعدها، وانضمت إليه الولايات المتحدة، التي لا تعترف بالمحكمة، بل تحاول إرغام الدول على التوقيع على وثيقة تعفي جنودها وضباطها ومواطنيها من الخضوع لاختصاصها”.
وأردف: “وقفت الولايات المتحدة بقوة ضد إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية عبر مجلس الأمن، مستخدمة حق النقض (الفيتو) لإيقاف هذا المسار، ولم يتبقَّ سوى تحرك المدعي العام بنفسه، وفقًا لصلاحياته، بطلب إصدار أوامر ضبط وإحضار المتهمين”.
وأكد مرزوق أنه منذ ذلك الحين بدأت التهديدات تطال خان وغيره من قضاة المحكمة الجنائية الدولية، إذ اتُّهموا بمعاداة السامية، وحاولت جهات فتح ملفات ضدهم، في حين أوقفت الولايات المتحدة حسابات بعض قضاة المحكمة، ولوحت باتخاذ إجراءات أشد بحق المدعي العام نفسه.
وأوضح السفير السابق أن تلك المعركة مثلت اختبارًا لمدى صدق المجتمع الدولي في الالتزام بمبادئ القضاء الجنائي الدولي لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب، لافتًا إلى أن المحكمة الجنائية الدولية أرست مبدأ المسؤولية الشخصية عن جرائم الحرب والتعذيب والجرائم ضد الإنسانية.
ووصف مرزوق ما حدث مع المدعي العام، وعزله بهذا الأسلوب، بأنه لا يعني سوى سقوط آخر قلعة من قلاع القضاء والقانون الدولي في العالم، مضيفًا: “نشهد الآن انهيار نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، بما يمهد لتغيرات عالمية مخيفة”، بحسب رؤيته.
وفيما يتعلق بتصويت بعض الدول العربية لصالح العزل، قال السفير السابق معصوم مرزوق: “أربأ بنفسي عن التعليق على هذا الأمر، حتى لا أسيء إلى شعوب نعتز بها. فقد أساءت تلك الدول إلى نفسها، وما قامت به أمر مؤسف ولا يليق”.
مهران: التوقيت يطرح أسئلة دبلوماسية لا تحتمل الصمت
قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي، إن تصويت 82 دولة من أصل 125 دولة عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية، في اقتراع سري بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، على عزل المدعي العام كريم خان، يُشكل سابقة لم تشهدها المحكمة منذ تأسيسها عام 2002، ويفتح بابًا واسعًا للتساؤلات الدبلوماسية التي لا يمكن تجاهلها.
وأضاف مهران، في تصريحات لـ”القصة”، أن خان ينفي الاتهامات الموجهة إليه بسوء السلوك الجنسي نفيًا قاطعًا، وأن محاميه أعلن، منذ ساعات، عزمه الطعن في قانونية القرار بجميع السبل المتاحة.
وأوضح أن المادة (46) من نظام روما الأساسي تجيز عزل المدعي العام في حالات ارتكاب سلوك خطير أو الإخلال الجسيم بالواجبات، لكنها تشترط اتباع إجراءات تأديبية دقيقة تكفل ضمانات الإنصاف، مشيرًا إلى أن القضية مرت بعدة مراحل منذ مارس 2026، حين تسلمت جمعية الدول الأطراف نتائج لجنة الخبراء القضائيين، وصولًا إلى قرار التعليق في يونيو، ثم التصويت النهائي.
وأشار أستاذ القانون الدولي إلى أن السؤال الذي يشغل المراقبين اليوم ليس إجرائيًا، بل دبلوماسي بامتياز، موضحًا أن كريم خان هو المدعي العام الذي أصدر، في نوفمبر 2024، مذكرتي توقيف بحق نتنياهو وغالانت، كما طالب بملاحقة قادة حركة حماس، وأصدر كذلك مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2023، وهو ما عرضه لعقوبات أمريكية شملت حظر السفر عليه وعلى زوجته وأبنائه، وتجميد أصوله.
وأضاف: “يُعزل اليوم في توقيت يتزامن مع قضية نتنياهو وما تشهده المنطقة من تصعيد”.
وأوضح مهران أن هناك مصادر دبلوماسية تتحدث عن ضغوط غير مباشرة أسهمت في حشد الأصوات المؤيدة للعزل، مشيرًا إلى أن المندوب الرئاسي الروسي دميترييف دعا صراحة إلى حل المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يكشف، بحسب قوله، أن عزل خان يصب في مصلحة أطراف متعددة، رغم تناقض مصالحها.
وشدد مهران على أن السؤال الأكثر إلحاحًا يتمثل في مصير مذكرتي التوقيف الصادرتين بحق نتنياهو وغالانت، موضحًا أن هاتين المذكرتين تظلان نافذتين من الناحية القانونية، بغض النظر عن مصير المدعي العام، لأنهما قرارات مؤسسية صادرة عن المحكمة، وليستا قرارات شخصية.
واعتبر أن الزخم السياسي لملاحقة نتنياهو، وكذلك استعداد الدول الملزمة بتنفيذ المذكرات، قد يتأثر بهذا التغيير في قمة الجهاز الادعائي للمحكمة الجنائية الدولية، في لحظة تاريخية بالغة الحساسية.
الحفناوي: تصويت ثلاث دول عربية لعزل خان فضيحة كبرى
من جانبها، وصفت الناشطة السياسية كريمة الحفناوي تصويت ثلاث دول عربية، هي المغرب والبحرين والإمارات، ضمن 82 دولة وافقت على عزل كريم خان، بأنه “فضيحة كبرى”.
وأضافت أن ما قامت به هذه الدول يمثل، بحسب وصفها، “نوعًا من الخيانة العظمى لصالح الإمبريالية الأمريكية والفاشية الصهيونية، وذلك على حساب دماء الشهداء، وإبادة وتهجير الشعب الفلسطيني”.
ويُعد كريم خان محاميًا بريطانيًا متخصصًا في القانون الجنائي الدولي وقانون حقوق الإنسان، وشغل منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية منذ عام 2021 وحتى عزله.
وفي مايو 2024، أعلن تقديم طلبات لإصدار مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وجاء عزل خان بعد تصويت 82 دولة من أصل 125 دولة عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية، خلال اقتراع سري أُجري بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، على خلفية اتهامات بسوء السلوك الجنسي، وهي اتهامات نفاها خان ومحاموه، في أول قرار من نوعه بعزل مدعٍ عام منذ تأسيس المحكمة عام 2002.
ومن المقرر أن تبدأ، عقب القرار، إجراءات اختيار مدعٍ عام جديد خلفًا لخان، وسط ترحيب إسرائيلي بالقرار، تمهيدًا للطعن في مذكرتي توقيف بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت.
في المقابل، تؤكد قواعد المحكمة استمرار سريان مذكرتي التوقيف بحق نتنياهو وغالانت، كما تؤكد استمرار اختصاص المحكمة بالنظر في الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد انضمام دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي.