بالتزامن مع الذكرى الـ74 لثورة 23 يوليو، ألقت الباحثة في الشأن الإسرائيلي إنجي بدوي الضوء على الكيفية التي تعاملت بها الصحافة العبرية مع الثورة المصرية، مؤكدة أن القراءة الإسرائيلية للأحداث شهدت تحولات كبيرة خلال الفترة من عام 1952 وحتى عام 1956، إذ انتقلت من التقليل من أهمية ما جرى في مصر، إلى اعتبار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر التهديد الأكبر لإسرائيل والمشروع الصهيوني في المنطقة.
وصف ثورة يوليو كـ”انقلاب عسكري”
وقالت إنجي بدوي في حديثها لـ” القصة”، الباحثة في الشأن الإسرائيلي، إن الصحافة العبرية استقبلت أحداث 23 يوليو 1952 بوصفها “انقلابًا عسكريًا” أكثر من كونها ثورة شعبية، مشيرة إلى أن صحيفة “هآرتس” نشرت في صباح 24 يوليو عنوانًا رئيسيًا يقول إن “انقلابًا عسكريًا في مصر” وقع دون إراقة دماء، مؤكدة أن التغطيات الأولى اعتبرت أن التطورات الداخلية في مصر لا تستهدف إسرائيل بشكل مباشر، وأنها لن تمثل خطرًا على الأوضاع الأمنية بالنسبة لها.
وأضافت أن القراءة الإسرائيلية في الأيام الأولى ركزت بصورة شبه كاملة على اللواء محمد نجيب، باعتباره قائد الحركة وصاحب النفوذ الأكبر، بينما غاب اسم جمال عبد الناصر عن معظم التقارير أو ورد بشكل هامشي، وهو ما يعكس، بحسب وصفها، خطأً واضحًا في تقدير مراكز القوة داخل مجلس قيادة الثورة، وعدم إدراك الدور الحقيقي لعبد الناصر في قيادة تنظيم الضباط الأحرار.
وأوضحت بدوي، أن وثائق ومحاضر جلسات الكنيست خلال يوليو 1952 كشفت أن المسؤولين الإسرائيليين تعاملوا مع الثورة باعتبارها مجرد انتقال للسلطة بين مجموعة من الضباط الشباب والملك فاروق، دون استيعاب طبيعة التحول السياسي الذي كانت تشهده مصر، لافتة إلى أن هذا التقدير الخاطئ استمر عدة أشهر قبل أن تبدأ الصورة في التغير.
تحركات أكثر دقة ولكن
وأشارت إلى أنه مع تولي جمال عبد الناصر منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية خلال عامي 1953 و1954، بدأت الصحافة العبرية تتابع تحركاته بشكل أكثر دقة، معتبرة أن هدفه الأساسي يتمثل في إنهاء الوجود البريطاني داخل مصر، كما ربطت بعض التقارير بين اتصالات مزعومة مع أطراف غربية ومحاولات للوصول إلى ترتيبات إقليمية، وهي تقديرات أثبتت لاحقًا أنها لم تكن دقيقة.
وأضافت أن عبد الناصر حرص خلال تلك الفترة على تقديم رؤية مختلفة في لقاءاته الصحفية مع وسائل الإعلام الأجنبية، إذ أكد أن المخاوف الإسرائيلية بشأن قناة السويس أو المساعدات العسكرية للدول العربية يجري تضخيمها، وأن إسرائيل تستخدم تلك المخاوف لحشد الدعم الأمريكي والغربي، كما حذر من أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية سيقود إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.
وأكدت الباحثة في الشأن الإسرائيلي، أن التحول الحقيقي في نظرة الصحافة العبرية بدأ بعد إعلان عبد الناصر الحاكم الفعلي لمصر، حيث تغيرت لغة التغطية بشكل ملحوظ، وأصبحت الصحف الإسرائيلية تتحدث عن صراع داخلي انتهى بصعود شخصية قوية قادرة على فرض رؤيتها السياسية، خاصة بعد إبعاد محمد نجيب وترسيخ نفوذ عبد الناصر داخل مؤسسات الدولة.
وأوضحت أن حادث المنشية في 26 أكتوبر 1954 مثل نقطة فاصلة في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، إذ نقلت الصحف العبرية تفاصيل الحادث وإعلان حالة الطوارئ، لكنها ركزت كذلك على حجم الالتفاف الشعبي حول عبد الناصر، ونقلت مشاهد الجماهير التي احتشدت دعماً له، وهو ما دفعها إلى إعادة تقييم شعبيته ونفوذه داخل الشارع المصري.
وأضافت أن بعض الصحف العبرية ذهبت إلى اتهام عبد الناصر بالوقوف وراء تدبير محاولة الاغتيال بهدف التخلص من خصومه السياسيين وتعزيز موقعه في السلطة، وهو اتهام تصدر عناوين الصحف آنذاك، في إطار حملة إعلامية هدفت إلى التشكيك في شرعيته، قبل أن تتصاعد حدة الخطاب الإسرائيلي تجاهه بصورة أكبر خلال السنوات التالية.
وتابعت بدوي أن مشاركة عبد الناصر في مؤتمر باندونج عام 1955 شكلت تطورًا جديدًا في النظرة الإسرائيلية، إذ اعتبرت الصحافة العبرية أن مصر بدأت تتحول إلى لاعب رئيسي داخل حركة عدم الانحياز والعالم الثالث، وأن عبد الناصر نجح في كسب حضور دولي متزايد، الأمر الذي أثار قلق إسرائيل من اتساع نفوذه السياسي والدبلوماسي.
وأشارت إلى أن الصحف العبرية رأت كذلك أن تنامي شعبية عبد الناصر عربيًا وإفريقيًا، إلى جانب دعمه للقضية الفلسطينية ومناهضته للاستعمار، جعله يحظى بمكانة إقليمية متقدمة، وهو ما دفع وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى تصويره باعتباره زعيمًا يسعى لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
وقالت الباحثة إن التحول الأكبر جاء عقب إعلان تأميم قناة السويس في يوليو 1956، حيث تعاملت الصحافة العبرية مع القرار باعتباره أخطر تحدٍ للمصالح الغربية والإسرائيلية، وخصصت له تغطيات موسعة عكست حجم القلق داخل إسرائيل من صعود عبد الناصر وقدرته على اتخاذ قرارات استراتيجية مؤثرة في المنطقة.
عبد الناصر “العدو الأول”
وأضافت أن التقارير الإسرائيلية التي أعقبت أزمة السويس رسمت صورة لعبد الناصر باعتباره “العدو الأول” لإسرائيل، وربطت بين صعود القومية العربية بقيادته وبين تزايد المخاطر التي تواجه المشروع الصهيوني، كما تصاعدت اللغة التحريضية ضده بصورة غير مسبوقة.
واختتمت إنجي بدوي بالتأكيد على أن تتبع الصحافة العبرية خلال تلك السنوات يكشف تحولًا جذريًا في النظرة الإسرائيلية؛ فمن ضابط لم يحظ باهتمام كبير في الأيام الأولى للثورة، أصبح جمال عبد الناصر خلال أربع سنوات فقط الشخصية الأكثر حضورًا في الصحافة الإسرائيلية، ورمزًا للصعود القومي العربي، والخصم الذي اعتبرته إسرائيل الأكثر تأثيرًا في تشكيل معادلات الصراع بالمنطقة.