يُعد الدكتور حاتم مصطفى الجبلي، المولود في 20 ديسمبر 1951، أحد أبرز الأسماء التي تولت إدارة القطاع الصحي في مصر، إذ شغل منصب وزير الصحة خلال الفترة من 31 ديسمبر 2005 حتى 31 يناير 2011، وهي مرحلة شهدت عددًا من التغييرات التنظيمية، من أبرزها فصل وزارة السكان عن وزارة الصحة.
يُعرف الجبلي بمسيرته الأكاديمية، حيث يشغل درجة أستاذ الأشعة التشخيصية بكلية الطب في جامعة القاهرة (قصر العيني)، وهو نجل وزير الزراعة الأسبق الدكتور مصطفى الجبلي.
بدأت رحلته العلمية في كلية الطب بجامعة القاهرة، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الطب والجراحة عام 1975، قبل أن يتجه إلى التخصص في مجال الأشعة التشخيصية. وفي عام 1981 اجتاز الجزء الأول من الزمالة البريطانية في الأشعة، ثم نال درجة الدكتوراه في الأشعة التشخيصية عام 1983، واستمر في مسيرته الأكاديمية حتى رُقي إلى درجة أستاذ للأشعة التشخيصية بجامعة القاهرة عام 2001.
وبالتوازي مع نشاطه الأكاديمي، خاض الجبلي تجربة واسعة في إدارة المؤسسات الطبية والاستثمار في القطاع الصحي، فمنذ عام 1989 تولى منصب العضو المنتدب والمدير العام لمركز القاهرة للأشعة “كايرو سكان”، كما شغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لمستشفى دار الفؤاد منذ عام 1995.
وامتدت مسؤولياته لتشمل عضوية مجالس إدارات عدد من المؤسسات والشركات العاملة في المجالات الطبية والاستثمارية، من بينها مركز القاهرة للقسطرة، ومستشفى دار المنى، وشركة نوفوتيل، وشركة بولي سرف للأسمدة والكيماويات.
وتولى رئاسة مجلس إدارة الشركة العربية للاستثمارات الطبية في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2003، ورئاسة شركة “ستار كير” الطبية في المملكة العربية السعودية عام 2005، إلى جانب منصبه نائبًا للرئيس والمدير العام للمجموعات الاستشارية الطبية العربية، في تجربة جمعت بين العمل الأكاديمي والإدارة والاستثمار في القطاع الصحي.
حاتم الجبلي ومجدي الجلاد
استعاد الدكتور حاتم الجبلي، وزير الصحة الأسبق، محطات بارزة من رحلته الشخصية والمهنية، متحدثًا عن نشأته داخل أسرة ريفية جعلت من التعليم بوابة للنجاح، قبل أن ينتقل للحديث عن تجربته في إدارة القطاع الصحي، ورؤيته للاقتصاد، وكواليس عمله داخل حكومة أحمد نظيف، إضافة إلى تقييمه لعدد من القضايا السياسية التي شغلت الرأي العام خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك.
أوضح الجبلي أن جذور أسرته تعود إلى قرية نوسا الغيط بمحافظة الدقهلية، حيث نشأ والده في ظروف صعبة عقب وفاة جده وهو لا يزال صغيرًا، فتولى شقيقه الأكبر مسؤولية الأسرة، بينما ظل الإيمان بقيمة التعليم هو الرابط الأساسي الذي جمع أفراد العائلة.
وروى أن والده كان يحلم بدراسة الطب، إلا أن عدم قبوله دفعه للالتحاق بكلية الزراعة، وهناك حقق تفوقًا لافتًا أهله للحصول على بعثة دراسية إلى جامعة كاليفورنيا في بيركلي بالولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الثانية.
وأشار إلى أن والده واجه تحديًا كبيرًا في تعلم اللغة الإنجليزية، فكرس عدة أشهر لدراستها قبل أن ينجح في استكمال رحلته العلمية، ليعود لاحقًا إلى مصر ويسهم في تأسيس كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، قبل أن يتولى منصب وزير الزراعة في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.
وأكد الجبلي أن ثقافة التعليم انتقلت إلى جميع أفراد الأسرة، فأصبح الحصول على الدرجات العلمية العليا هدفًا مشتركًا، بينما اختار بعض أفراد العائلة التوجه إلى الاستثمار والصناعة، ومن بينهم شقيقه الدكتور شريف الجبلي، في حين واصل آخرون مسيرتهم الأكاديمية داخل مصر وخارجها.
كما أشار إلى أن أسرة والدته كانت أيضًا من الأسر التي أولت اهتمامًا كبيرًا بالتعليم، لافتًا إلى أن والدته كانت من أوائل السيدات في العائلة اللاتي حصلن على درجة الدكتوراه.
وتحدث وزير الصحة الأسبق عن فلسفته في الإدارة، موضحًا أنها تقوم على الجمع بين البعد الإنساني والكفاءة الاقتصادية، معتبرًا أن نجاح أي مشروع يتطلب تحقيق الاستدامة المالية، وفي الوقت نفسه ضمان استفادة العاملين والمجتمع من ثماره، بما يحقق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
وفي حديثه عن تجربة “الفكر الجديد” بالحزب الوطني، أوضح الجبلي أن الفكرة الأساسية كانت تقوم على دعم الاقتصاد الحر مع استمرار الدولة في إدارة القطاعات الاستراتيجية، مؤكدًا أن التجارب الدولية لا يمكن نقلها إلى مصر دون مراعاة خصوصية الواقع المحلي.
وضرب مثالًا بقطاع الصحة، مشيرًا إلى اختلاف طبيعة المنظومة الصحية المصرية عن نظيرتها البريطانية، وهو ما يجعل تطبيق النماذج الأجنبية بصورة حرفية أمرًا غير عملي.
وشدد على أهمية احتفاظ الدولة بملكية بعض الصناعات الحيوية، وعلى رأسها صناعة الدواء، باعتبارها أحد عناصر الأمن القومي.
وأشاد الجبلي بأداء حكومة الدكتور أحمد نظيف، واصفًا إياها بأنها ضمت مجموعة من الكفاءات الاقتصادية والإدارية التي عملت بروح الفريق، مؤكدًا أن رئيس الوزراء كان يمنح الوزراء مساحة كاملة للنقاش قبل اتخاذ القرارات بصورة جماعية.
وأشار إلى أن التعاون بين أعضاء المجموعة الاقتصادية أسهم في معالجة عدد من الملفات المهمة، من بينها أزمة مديونيات شركات قطاع الأعمال العام.
ورأى وزير الصحة الأسبق أن صورة رجال الأعمال تعرضت لتشويه خلال سنوات طويلة، موضحًا أن المستثمر الحقيقي هو من يضخ أموالًا في مشروعات إنتاجية توفر فرص عمل وتسهم في التنمية، وليس من يعتمد على المضاربة أو تحقيق أرباح سريعة.
كما نفى أن يكون قد استغل منصبه الوزاري لتحقيق أي مكاسب خاصة، مؤكدًا أن استثماراته في القطاع الطبي كانت محدودة، وأن جميع الإجراءات المتعلقة بها كانت قائمة قبل توليه الوزارة.
كيف أصبح وزيرًا للصحة؟
وكشف الجبلي أن اختياره لتولي وزارة الصحة جاء خلال لقاء جمعه بالدكتور أحمد نظيف في شهر رمضان، حيث عرض عليه المنصب بشكل مفاجئ، فوافق عليه باعتباره تحديًا جديدًا يتناسب مع خبرته الطويلة في الإدارة الطبية.
وأوضح أن انضمامه للحزب الوطني جاء بعد دخوله الحكومة، باعتبار أن الوزراء كانوا يمثلون الحكومة المنبثقة عن الحزب الحاكم آنذاك.
مبارك والحكومة.. “لم يتدخل في عملي”
وتحدث الجبلي بإسهاب عن طبيعة العلاقة بين الرئيس الأسبق حسني مبارك والوزراء، مؤكدًا أن مبارك لم يكن يتدخل في التفاصيل التنفيذية أو يفرض قرارات على الوزراء، وإنما كان يكتفي بمتابعة معدلات الإنجاز والاستماع إلى تقارير الأداء.
وأضاف أن الحكومة كانت تدير أعمالها من خلال رئيس الوزراء، وأن الوزراء كانوا يتمتعون باستقلالية واسعة في إدارة ملفاتهم.
ونفى الجبلي ما تردد عن تدخل جمال مبارك في إدارة الحكومة، مؤكدًا أنه لم يتلق منه أي تعليمات طوال فترة عمله وزيرًا، موضحًا أن دوره كان يقتصر على متابعة تنفيذ البرنامج السياسي للحزب الوطني داخل لجنة السياسات، دون التدخل في القرارات التنفيذية.
وكشف عن خلاف في وجهات النظر داخل الحكومة بشأن أولويات الإنفاق، موضحًا أنه طالب بتخصيص مليار جنيه لتطوير هيئة الإسعاف، باعتبارها خدمة تمس جميع المواطنين بشكل مباشر، وهو ما وافق عليه رئيس الوزراء أحمد نظيف بعد مناقشات مطولة.
وتطرق الجبلي إلى الجدل الذي أحاط بملف توريث الحكم، مؤكدًا أنه لمس وجود آراء متباينة داخل الدولة، لكنه كشف في الوقت نفسه عن حديث جمعه بالرئيس الأسبق حسني مبارك، قال خلاله إن الأخير نفى رغبته في الدفع بابنه جمال إلى الحكم، معتبرًا أن مسؤولية إدارة الدولة كانت شديدة الصعوبة.
كما أكد أنه لا يملك أي معلومات تثبت وجود دور للسيدة سوزان مبارك في هذا الملف.
وتحدث الجبلي عن الأوضاع التي أعقبت عام 2013، معتبرًا أن الدولة واجهت تحديات كبيرة، وأن مشروعات البنية التحتية التي نُفذت خلال السنوات الأخيرة تمثل استثمارًا طويل الأجل في مستقبل الاقتصاد المصري.
كما أشاد بعدد من المسؤولين، وفي مقدمتهم الفريق كامل الوزير، مشيرًا إلى أن الإنجازات الكبرى غالبًا ما تواجه انتقادات خلال مراحل تنفيذها.
وأكد وزير الصحة الأسبق أن تدني دخول الأطباء يعد السبب الرئيسي وراء هجرتهم للعمل خارج مصر، داعيًا إلى تحسين أوضاعهم المالية، باعتبارهم أحد أهم عناصر المنظومة الصحية.
وأشار إلى أن مصر حققت تقدمًا ملحوظًا في عدد من المؤشرات الصحية، مثل انخفاض وفيات الأطفال والقضاء على العديد من الأمراض المعدية، مؤكدًا أن هذه الإنجازات جاءت نتيجة جهود متراكمة شاركت فيها أجيال متعاقبة من العاملين في القطاع الصحي.