اللحظات الأولى التي يقع فيها أي حدث – خصوصا إذا كان كبيرا – تمتلئ عادةً بالشائعات. فالأمور تكون غير واضحة، والدولة لا تُصدر بيانا رسميا إلا بعد مرور ساعات. الأمر الذي يجعل من التدقيق الصحفي أزمة. لكنه واجب على كل من يحمل قلمًا ويوجه خبرًا للقاريء.
وربما كان ما حدث الأسبوع الماضي في ميناء دمياط اختبارا حقيقيا أمام الصحف والمواقع الإخبارية المصرية. التي يتعين عليها التحقق من الخبر قبل نشره. والموازنة بين سرعة النصر وصحة ما يتم نقله. وعدم السير وراء الشائعات التي ربما تخرج من جهات بعينها، بقصد صرف النظر عن واقع الأمور حتى يتم التعامل معها فيما بعد وفقا لرؤية محددة. ويظل الأمر الأهم من اجتياز الاختبار أن نعي الدرس بشكل حقيقي يحول دون تكرار الأخطاء مجددا.
يرى الكاتب الصحفي، جمال فهمي، إن التغطية الإعلامية للحوادث الأمنية الحساسة لم تختلف كثيرا عما كانت عليه في السابق. وإن المشكلة لم تكن في نقل الخبر نفسه، وإنما في طريقة التعليق والتحليل.
ويضيف فهمي، في تصريحات لـ”القصة”، أن المعلومات الرسمية لم تكن متاحة بشكل كامل في الساعات الأولى. لذلك التزمت وسائل الإعلام بنقل ما صدر عن الجهات الرسمية، بينما جاءت بعض التحليلات بعيدة عن الانضباط المهني.
ويوضح فهمي أن بعض المحللين في البرامج التلفزيونية ذهبوا إلى افتراضات غير مدعومة بأدلة. إذ نسبوا الهجوم إلى أطراف بعينها رغم غياب أي تأكيدات رسمية. معتبرا بعض هذه التحليلات بأنها غير موفقة على الإطلاق.
كما أشار إلى أن بعض المعلقين دعوا إلى رد عسكري من جانب مصر بناء على استنتاجات شخصية. ما وصفه بـ أنه “حماقة ورعونة شديدة”، لأنه قد يجر البلاد إلى صراع إقليمي دون وجود أدلة أو حقائق مؤكدة.
ويؤكد فهمي أن الجانب الإخباري في وسائل الإعلام المصرية التزم بدرجة كبيرة بالقواعد المهنية. حيث اقتصر على نقل البيانات الرسمية، ثم نقل ما أعلنته الحكومة لاحقا بعد تأكيد أن الحريق نتج عن استهداف بطائرة مسيرة. موضحا أن بعض وسائل الإعلام أشارت أيضا إلى ما نشرته وسائل إعلام أجنبية، لكن ذلك جاء في إطار محدود وبعد تداول هذه المعلومات على نطاق واسع.
ويوضح فهمي أن تقييمه للتغطية الإخبارية كان إيجابيا بشكل عام. معتبرا أنها التزمت بأصول العمل الصحفي في قضية وطنية شديدة الحساسية. ويؤكد أن الخلل الحقيقي لم يكن في التغطية الإخبارية، وإنما في بعض التحليلات التي اعتمدت على التخمين دون معلومات موثقة، ما أدى إلى إطلاق استنتاجات ودعوات وصفها بأنها “متهورة” ولا تستند إلى حقائق.
بينما اتجه الكاتب الصحفي عبد الله السناوي إلى أن تقييم التغطية الإعلامية لأزمة ميناء دمياط لا يمكن فصله عن الواقع الذي تعمل فيه الصحافة المصرية. معتبرًا أن النقاش يجب أن يبدأ من سؤال أوسع: “هل لدينا صحافة بالمعنى الحقيقي أم لا؟”.
وأضاف السناوي أنه لا يرى من العدل محاسبة الصحفيين على أمور لا يملكون أدواتها. مؤكدا أن القيود المفروضة على العمل الصحفي أصبحت أكثر من أن تحصى. وهو ما انعكس بشكل مباشر على طبيعة التغطية الإعلامية. قائلا: “لا توجد تغطية صحفية، والقيود أكثر من أن تحصى الآن، وبالتالي لا كانت هناك تغطية صحفية ولا المحاكمة جائزة”.
وأشار السناوي إلى أنه عندما تتوافر بيئة تسمح بوجود صحافة حقيقية، يصبح من الممكن تقييم الأداء المهني، ورصد أوجه القصور، والعمل على تصحيحها. “أما في ظل الظروف الحالية، فمن الصعب إجراء تقييم منصف لأداء الصحفيين”، بحسب رؤيته.
ووجه السناوي نصيحته إلى الصحفيين الشباب، حيث دعاهم إلى السعي لتوسيع مساحة العمل المهني بقدر ما يستطيعون. مشددا على أن “حرية الصحافة تُنتزع ولا تُمنح”. كما أكد أنه على الصحفيين محاولة تجاوز القيود المفروضة عليهم في حدود ما تسمح به إمكاناتهم وقدرتهم.