تتجه تونس نحو مرحلة سياسية واجتماعية بالغة الحساسية، بعدما تداخلت الضغوط الاقتصادية مع تصاعد الاحتقان الشعبي واتساع دائرة المطالب المهنية والسياسية والحقوقية.
ومع عودة النشاط العام بعد موسم الصيف، تبدو البلاد أمام اختبار جديد لقدرة السلطة على احتواء الغضب المتراكم، في وقت تتحرك فيه قوى سياسية ونقابية ومدنية نحو تنسيق أكبر في مواجهة الأوضاع القائمة.
وبينما يرفع الاتحاد العام التونسي للشغل سقف مطالبه، تتزايد مؤشرات الأزمة الاقتصادية والاستثمارية، لتطرح التطورات سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل تتجه تونس نحو موجة احتجاجات واسعة تعيد رسم المشهد السياسي، أم أن الأزمة ستدفع إلى تغيير هادئ داخل منظومة الحكم نفسها؟
تونس أمام تصاعد الاحتجاجات
تدخل تونس مرحلة سياسية واجتماعية شديدة الحساسية، مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة على الاستجابة للمطالب الاجتماعية والمهنية، بالتزامن مع تحركات معارضة تسعى إلى توحيد صفوفها.
ويرى الدكتور زهير مخلوف المتخصص في الشأن التونسي، أن موجة الاحتجاجات مرشحة للتوسع تدريجيًا خلال الفترة المقبلة، لتنتقل من تحركات سياسية ونخبوية إلى احتجاجات مهنية وشعبية ومدنية أوسع، مدفوعة بتدهور القدرة الشرائية ونقص بعض المواد الأساسية وارتفاع أسعار الأدوية وتفاقم البطالة.
بداية العام الدراسي.. نقطة انطلاق لموجة احتجاجات أوسع
قال مخلوف لـ”القصة”، إن موجة الاحتجاجات في تونس ستتواصل في مختلف المجالات والقطاعات الشعبية والمهنية والمدنية بشكل تدريجي، موضحًا أن انتهاء موسم الصيف وبداية السنة الدراسية قد يمثلان نقطة انطلاق لتصاعد التحركات، بعدما كانت الاحتجاجات خلال الفترة الماضية ذات طابع سياسي ونخبوي في مواجهة السلطة.
وأضاف أن التحركات مرشحة للتحول إلى احتجاجات مهنية وشعبية ومدنية موسعة، في ضوء موجة غلاء المعيشة ونقص المواد الأساسية وارتفاع أسعار الأدوية وتزايد البطالة، إلى جانب عجز السلطة عن تقديم حلول قادرة على احتواء المطالب الاجتماعية والمهنية والمعيشية والسياسية والحقوقية.
اتحاد الشغل يرفع سقف المطالب
وأوضح مخلوف أن أحد أبرز المتغيرات في المشهد الاحتجاجي يتمثل في موقف الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يضم أكثر من 700 ألف منخرط، مشيرًا إلى أن تجديد قياداته المركزية والجهوية والقاعدية خلال الشهرين الماضيين دفع المنظمة النقابية إلى رفع سقف مطالبها الاجتماعية والمادية.
وأكد أن استمرار عدم الاستجابة لهذه المطالب لأكثر من عامين ينذر بسنة اجتماعية ومهنية متوترة، قد تدفع الاتحاد إلى تنفيذ إضرابات في قطاعات حيوية، من بينها النقل والصحة والتعليم والمناجم، بما قد ينعكس على الدورة الاقتصادية والتنموية ويزيد من حدة الغضب الشعبي.
المعارضة تتجه نحو توحيد الصفوف
وأشار مخلوف إلى أن الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني بدأت، وفق تقديره، في تجاوز عدد من الخلافات الأيديولوجية التي عطلت توحيد جهودها خلال السنوات الماضية، لافتًا إلى ظهور مظاهر جديدة من التنسيق خلال الاحتجاجات، سواء على مستوى الشعارات أو أساليب النضال أو الأهداف السياسية.
وأضاف أن المعارضة التونسية بدأت تتبنى هدفًا مركزيًا يتمثل في إسقاط نظام الرئيس قيس سعيّد والمطالبة برحيله، معتبرًا أن هذا التحول يعكس ما وصفه بـ«استفاقة» سياسية ووعي جديد بأهمية توحيد الصفوف، وهو ما بدأ يظهر على المستويين السياسي والميداني.
أزمة المؤسسات تعمّق حالة الانسداد
وقال الدكتور زهير مخلوف إن الأزمة لا تقتصر على الجانب الاجتماعي والاقتصادي، وإنما تمتد إلى بنية المؤسسات السياسية والإدارية، معتبرًا أن الإجراءات التي اتخذها قيس سعيّد منذ عام 2021، والتي شملت تجميد البرلمان ثم حله وحل المجلس الأعلى للقضاء وإعادة تشكيل عدد من الهيئات والهياكل المنتخبة، أدت إلى إضعاف دور المؤسسات الوسيطة والمنتخبة.
ورأى أن استمرار غياب عدد من الهياكل المنتخبة أو إعادة تشكيلها وفق ترتيبات جديدة أسهم، بحسب تقديره، في إضعاف فاعلية المؤسسات المحلية والوطنية، وأوجد حالة من الانسداد السياسي والإداري انعكست على قدرة الدولة على إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية بكفاءة.
الاستثمار.. ضحية الأزمة الاقتصادية والسياسية
وأضاف الدكتور زهير مخلوف أن من أخطر تداعيات الأزمة استهداف مناخ الاستثمار، مشيرًا إلى أن رجال الأعمال والمستثمرين المحليين والأجانب أصبحوا أمام حالة من عدم اليقين نتيجة الملاحقات القضائية والجبائية، وما وصفه بتصاعد الاتهامات المتعلقة بالتآمر مع أطراف خارجية.
وأكد أن هذه الأوضاع ساهمت في فرملة الاستثمار وتعطيل الدورة الاقتصادية والتنموية، فضلًا عن تعميق الصعوبات في العلاقات الخارجية، معتبرًا أن غياب مشروع اقتصادي واضح وبدائل عملية للإنقاذ جعل السلطة عاجزة عن تقديم حلول قادرة على معالجة الأزمة المتراكمة.
الجباية وحدها لا تكفي لإنقاذ الاقتصاد
وأوضح مخلوف أن محدودية الموارد المالية للدولة تجعل الاعتماد المتزايد على الجباية وإثقال كاهل الموظفين والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة غير كافٍ لإنقاذ الاقتصاد أو معالجة اختلالات المالية العامة.
وأضاف أن عزوف المستثمر الأجنبي عن البقاء أو التوسع في تونس قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية، معتبرًا أن استمرار هذا المسار سيضع السلطة أمام ضغوط متزايدة، في وقت تتراجع فيه قدرتها على احتواء الغضب الشعبي وتقديم حلول فعالة.
تغيير سياسي هادئ بدلًا من ثورة شعبية
وفي قراءته للسيناريوهات المقبلة، قال الدكتور زهير مخلوف إنه لا يرجح أن تنتهي الأزمة بثورة شعبية أو هبة جماهيرية تقتلع النظام من جذوره، وإنما يرى أن الضغط المتراكم قد يقود إلى انسحاب قيس سعيّد من الحكم وتقديم استقالته، نتيجة تصاعد الاحتقان وشعوره بالفشل وعدم القدرة على مواصلة إدارة الدولة.
ورجح أن يجب علي الدولة والمجتمع والإدارة إلى تدخل مؤسسات الدولة العميقة لإحداث تغيير سياسي هادئ ومنظم، بما يحول دون حدوث فراغ سياسي أو مؤسسي خطير.
وختم الدكتور زهير مخلوف بأن مشهد عام 2011 قد يعود بصورة مختلفة، من دون أن تتكرر الثورة الشعبية بالشكل الذي أطاح بالنظام آنذاك، مرجحًا أن يعيد النظام إنتاج نفسه من خلال شخصية سياسية جديدة، مع الحفاظ على بعض السمات التقليدية التي طبعت الحكم منذ الاستقلال، لكن مع انفتاح سياسي أكبر وحريات أوسع، إلى جانب استمرار الارتهان للخارج واقتصاد المديونية، بهدف تخفيف حدة الغضب الشعبي واحتواء تداعيات الأزمة.