تثير الترتيبات الأمريكية الرامية إلى نقل بعض المرحلين من أراضيها إلى دول أفريقية تساؤلات متزايدة حول مستقبل سياسة الهجرة الأمريكية وحدود التعاون الأفريقي معها خصوصاً مع تنامي المخاوف من تحول إجراءات استثنائية و مؤقتة إلى نموذج مستدام لإدارة الهجرة خارج الحدود الأمريكية.
وبينما قد ترى بعض الحكومات الأفريقية في هذه الترتيبات فرصة للحصول على مساعدات أو دعم اقتصادي وسياسي، فإن تداعياتها الإنسانية والأمنية والاجتماعية تفرض ضرورة دراسة كل اتفاق بصورة دقيقة، بما يحفظ سيادة الدول ويضمن حقوق المرحلين.
القارة ليست مستودعاً للمرحلين ويجب التفاوض بمنطق الندية لا الاحتياج
أكد أستاذ العلاقات الدولية وخبير الشؤون الأمريكية الدكتور رامي زهدي، في حديثه لـ”القصة”، أن من غير الدقيق القول إن أفريقيا تحولت بالفعل إلى وجهة دائمة للمرحلين من الولايات المتحدة، موضحاً أن هناك اتجاهاً يستحق المتابعة يتمثل في توسيع واشنطن دائرة الدول التي يمكن أن تستقبل أشخاصاً يتم ترحيلهم من الأراضي الأمريكية.
وأوضح الدكتور رامي زهدي طبيعة التحديات والمخاوف المقترنة بالترتيبات المؤقتة، وذلك بأنه لا تكمن المشكلة في الحالات المحدودة، و إنما في احتمال تحول الترتيبات المؤقتة إلى التزام طويل الأمد يتعامل بموجبه مع دول أفريقية كـ”دول استقبال” بدلاً من كونها دولاً ذات سيادة، كما تختلف دوافع الحكومات بين الحصول على مساعدات مالية أو استثمارات وتسهيلات، أو تعزيز العلاقات السياسية والاستراتيجية مع واشنطن، مؤكداً ضرورة حسم أعداد المرحلين، ومدة إقامتهم، ووضعهم القانوني، والتكاليف المترتبة عليهم قبل توقيع أي اتفاق.
مضيفاً أنه تمتلك واشنطن أدوات تأثير واسعة تشمل المساعدات والتعاون الأمني والتأشيرات، مما يجعل ميزان التفاوض غير متساوي ولذلك يجب ألا تتحول نية التعاون إلى مقايضة غير معلنة مقابل المساعدات.
وأشار الخبير السياسي لـ”القصة” إلى التداعيات الإنسانية والأمنية الناتجة عن هذه الترتيبات في النقاط التالية:
الأعباء الأمنية والخدمية: تتطلب العملية ترتيبات دقيقة للتحقق من الهويات والخلفيات الأمنية، وتوفير آليات للسكن والرعاية الصحية والعمل، خاصة في دول تعاني بطالة و ضغوطاً على الخدمات العامة.
استراتيجية إدارة الهجرة خارج الحدود: تحذر المؤشرات من نقل جزء من أزمة الهجرة الأمريكية إلى أفريقيا و تكليفها بالتبعات السياسية والاجتماعية.
واختتم رامي زهدي حديثه لـ”القصة” مؤكداً أن أفريقيا ليست “مستودعاً للمرحلين” ولا ينبغي أن تتحول حاجتها للتمويل إلى نقطة ضعف تستغل لإعادة توزيع أزمات الهجرة العالمية، مشدداً على أن الفارق بين الشراكة الدولية ونقل الأعباء يكمن في امتلاك الدولة المضيفة لشروط الاتفاق وآليات الرقابة ومقابل عادل يضمن حقوق الطرفين.
تكرار نمط الترحيل يحول أفريقيا إلى وجهة بديلة لسياسات واشنطن
ومن جانبه، أكد أستاذ العلاقات الدولية حامد فارس، في حديثه لـ”القصة”، أن التوسع الأمريكي في نقل بعض المرحلين إلى دول أفريقية يعكس تحولاً مهمة في طريقة إدارة واشنطن لملف الهجرة عبر بحثها عن حلول خارج حدودها لتخفيف الضغوط الداخلية المرتبطة بعمليات الترحيل.
وأوضح الدكتور حامد فارس أبعاد هذا التحول الاستراتيجي ومخاطره، التي تكون في الخطورة الحقيقية لا تكمن في اتفاق منفرد، بل في تحول الأمر إلى نمط متكرر يثبت أفريقيا كوجهة بديلة دائمة للسياسات الأمريكية الخاصة بالترحيل، مشيراً إلى أنه تبدأ الأزمة عندما يصبح الاحتياج الاقتصادي عاملاً يحد من قدرة الدولة الأفريقية على التفاوض بحرية، مما ينقل العلاقة من شراكة متبادلة إلى استغلال يتحمل فيه الطرف الأفريقي الجزء الأكبر من التكلفة، كما أن استقبال أعداد كبيرة من المرحلين يفرض ضغوطاً متزايدة على الخدمات العامة وسوق العمل، ويستدعي اتفاقات واضحة مسبقاً تشمل ضمانات صحية وقانونية وأمنية.
وأشار أستاذ العلاقات الدولية لـ”القصة” إلى أهمية البعد الأمني و الرقابي، بأنه يتطلب الملف آليات دقيقة للتحقق من خلفيات الأشخاص المرحلين وتحديد الجهة المسؤولة عنهم دون وصمهم تلقائياً بكونهم تهديداً أمنياً، كما يتحدد الفاصل بين الشراكة الدولية ونقل الأعباء بمدى قدرة الدولة الأفريقية على وضع شروط الاتفاق وتحديد التكلفة وحق الرقابة.
واختتم حامد فارس حديثه لـ”القصة” مؤكداً أن أفريقيا يمكن أن تكون شريكاً في معالجة أزمة الهجرة العالمية ولكنها لا يجب أن تتحول إلى الطرف الذي يتحمل تكلفة سياسات الهجرة التي تصنعها قوى أخرى، مشدداً على أن مستقبل هذه الترتيبات يعتمد على قدرة الدول الأفريقية على حماية سيادتها والتفاوض بمنطق الندية لضمان ألا تتحول الحلول المؤقتة إلى نظام دائم لإدارة الهجرة الأمريكية من الخارج.