تتزايد علامات التعثر والجمود أمام تطبيق ترتيبات “اليوم التالي” وخطة “مجلس السلام” في قطاع غزة، وسط تصادم معلن بين المساعي الأمريكية والدولية من جهة، و التعنت والمراوغة الإسرائيلية من جهة أخرى؛ حيث تسعى تل أبيب لفرض معادلات أمنية ميدانية تعطل خروج القطاع من دائرة الاستهداف والحصار.
وفيما تشير الوقائع الميدانية إلى انتهاكات يومية و ممنهجة لاتفاق إنهاء الحرب الموقع في شرم الشيخ والمقر من مجلس الأمن، يبرز الحساب الانتخابي والرهان الإسرائيلي على عامل الوقت كعائق أساسي أمام دخول لجنة التكنوقراط وقوات الاستقرار الدولية إلى غزة.
التعنت الإسرائيلي ومغالطة الحدود الأمنية
قال الدكتور أحمد أنوار، الخبير في الشأن الإسرائيلي، في حديثه لـ”القصة”، إن إسرائيل تحاول إعادة تطبيق مفهوم “الحدود الأمنية” الذي أطلقته بعد حرب عام 1967، مؤكدًا أن هذا الحديث عن مناطق عزل لتأمين العمق الإسرائيلي لا يتماشى إطلاقا مع العصر الحديث الذي تشهده الصواريخ الباليستية والمسيرات الداهمة.
وأكد أنوار أن الجانب الإسرائيلي يمارس انتهاكا يوميًا وممنهجا لاتفاق إنهاء الحرب الموقع في شرم الشيخ و المقر من مجلس الأمن، موضحاً أن جانب المقاومة التزم بالهدنة و بمبدأ نزع السلاح الثقيل بالتزامن مع الانسحابات، على أن يخزن السلاح لدى إدارة حكومة التكنوقراط ولجنة الخبراء التي لم تتمكن من دخول القطاع حتى الآن بسبب التعنت الإسرائيلي.
وأضاف الخبير في الشأن الإيراني والإسرائيلي أن إسرائيل تراهن على عامل الوقت للعودة إلى مساعي تهجير الفلسطينيين، وهو ما ظهر صراحة في تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يس Israel كاتس الذي تحدث عن أن الحل الوحيد لمشكلة غزة هو التهجير سواء بالبحر أو الجو، مشيرًا إلى أن تلك التصريحات تعكس إفلاسا محاولة لإخفاء الضغوط الموجهة لزحزحة الثوابت المصرية، عبر تدوير حلول سابقة أثبتت فشلها الذريع.
الارتباك في تل أبيب والحسابات الانتخابية
من جانبه، قال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية، “للقصة”، إنه منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 11 أكتوبر الماضي حتى الآن، سقط أكثر من 1330 شهيدًا جراء استهداف الاحتلال المستمر للكتلة السكانية المحاصرة في مساحة لا تتجاوز 35% من مساحة قطاع غزة.
وأكد الرقب أن تحركات “مجلس السلام” عبر زيارات جاريد كوشنر وتوني بلير ونيكولاي ملادينوف إلى تل أبيب صادفت رفضا إسرائيليا رغم موافقة الفصائل، مشيرًا إلى أن الدافع الإسرائيلي يعود بالأساس إلى انتخابات 27 أكتوبر القادمة؛ حيث يستغل الملف الفلسطيني كـ “ورقة انتخابية” تسببت في تعطيل التأجيل وتأخير التنفيذ.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن الموقف الإسرائيلي يتسم بالارتباك الشديد؛ حيث أعلن نتنياهو ووزير حربه كاتس في بيان مشترك الموافقة على تطبيق نموذج “المناطق التجريبية” في غزة وتسليمها لرقابة قوات الاستقرار الدولية، ثم تراجعا في اليوم التالي ببدعوى عدم الجاهزية، لافتاً إلى أن واشنطن تدرك حساسية الوضع الداخلي الإسرائيلي ولا تمارس ضغطا حقيقيا في انتظار انتهاء الانتخابات.
وأضاف الرقب أن حشود الشرطة الفلسطينية التابعة لحكومة غزة تدير الوضع الميداني حاليًا لمنع الانهيار الأمني والحرب الأهلية، رغم أن الترتيبات كانت تنص على دخول قوات الاستقرار الدولية والشرطة واللجنة الوطنية تدريجيًا مع تسليم السلاح أو إعدامه، مشيرًا إلى أن نتنياهو يبحث فقط عن “صورة نصر” تتمثل في تسليم السلاح، وقد يوافق في أية لحظة على تسليم أجزاء منه لقوات الاستقرار لإبرازها انتخابيا، بينما ترجح المؤشرات بدء خطة أبطأ عبر مناطق تجريبية تنطلق من رفح.