أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

شهادة على الرف وشغلانة تانية للمعيشة.. هكذا يعيش معظم شباب مصر

بعد 7 سنوات من الدراسة، لم يجد محمد نفسه في الوظيفة التي حلم بها حين التحق بكلية الهندسة. تخرج في قسم الكهرباء بجامعة القاهرة عام 2024، بتقدير جيد جدًا، وبحث لمدة عام عن عمل يناسب مؤهله، قبل أن يحصل على وظيفة في شركة خاصة براتب 8 آلاف جنيه.

في الصباح، يعمل محمد مهندسًا، وفي المساء يتحول إلى كهربائي. لا يفصل بين الوظيفتين سوى ساعات قليلة يقضيها في الانتقال من مكان إلى آخر، بحثًا عن دخل إضافي يساعده على سداد التزاماته والاستعداد للزواج.

لم يكن محمد يتوقع أن تكون سنوات الدراسة والتخصص بداية لسلسلة من الأعمال، بدلًا من أن تكون طريقًا إلى وظيفة مستقرة. كان يعتقد أن شهادته ستقوده إلى راتب يسمح له ببناء حياته، لكنه اكتشف بعد التخرج أن الوظيفة التي تناسب مؤهله ليست مضمونة، وأن راتبه لا يكفي احتياجاته.

أخبار ذات صلة

من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ
مشغولات ذهبية - ذهب
تعرف على أسعار الذهب اليوم
حالة الطقس
تعرف على حالة الطقس اليوم الأحد

يقول محمد لـ”القصة”: “تخرجت من كلية الهندسة عام 2024 بتقدير جيد جدًا. كنت أعتقد أن الشهادة ستساعدني في الحصول على وظيفة جيدة وراتب يسمح لي بالزواج والاستقرار، لكن هذا لم يحدث. قضيت عامًا كاملًا أبحث عن عمل يناسب تخصصي، ولم أجد في البداية سوى وظيفة كول سنتر”.

استمر محمد في البحث حتى حصل على فرصة للعمل في إحدى شركات القطاع الخاص براتب 8 آلاف جنيه. قبل الوظيفة باعتبارها أفضل من البقاء دون عمل، خاصة بعدما وعدته الشركة بزيادة الراتب بعد ثلاثة أشهر.

مرت الأشهر دون الزيادة التي انتظرها، بينما استمرت التزاماته في الارتفاع. بدأ محمد في سداد أقساط استعدادًا للزواج، ووصل به الأمر أحيانًا إلى عدم امتلاك تكلفة المواصلات اللازمة للوصول إلى عمله.

يقول: “في البداية شعرت أن الراتب صادم، لكنه كان بالنسبة لي أفضل من لا شيء. وبعد أن بدأت العمل اكتشفت أن المقابل أقل بكثير من المجهود الذي أبذله، لكنني قررت الاستمرار حتى أتمكن من سداد الأقساط. مر أكثر من خمسة أشهر دون زيادة، وكل يوم كان وضعي المادي يزداد سوءًا”.

عند هذه النقطة، لم يعد العمل الواحد كافيًا، فبدأ محمد العمل مساءً كفني كهرباء. بالنسبة إليه، ليست الوظيفة الثانية تغييرًا لمساره المهني، وإنما محاولة لسد الفجوة بين دخله واحتياجاته.

ويقول إن حاله لا يختلف كثيرًا عن عدد من أصدقائه، إذ يعمل بعضهم في مهنتين أو أكثر حتى يتمكنوا من تحمل تكاليف الحياة.

مؤهلات على الرف

قصة محمد لا تقف عند مهندس اضطر إلى العمل في مهنة إضافية. في مهن أخرى تحتاج إلى سنوات من الدراسة والتدريب، يجد خريجون أنفسهم مضطرين إلى البحث عن مصدر دخل ثانٍ، أو العمل في وظائف بعيدة عن تخصصاتهم.

مينا جرجس، طبيب صيدلي إكلينيكي حاصل على الماجستير، يرتدي “البالطو الأبيض” في عمله، لكنه يعمل ليلًا في توصيل الطلبات.

ظهرت قصته بعدما صادفه صانع محتوى في الشارع ولاحظ أنه يرتدي سماعة طبية أثناء عمله في التوصيل. أوقفه ليسأله عن السبب، فاكتشف أنه طبيب صيدلي يعمل في الصباح بأحد المستشفيات، وفي المساء يعمل في توصيل الطلبات.

لكن السماعة الطبية لم تكن جزءًا من عمله الجديد. كان مينا في طريقه لمتابعة حالة مريضة مصابة بالسرطان في مرحلة متأخرة، ويتابع حالتها مجانًا لضبط جرعات المسكنات وتجنب إصابتها بضيق التنفس.

كانت عائلة مينا تمتلك صيدلية في منطقة أرض اللواء منذ عام 1983، لكن تغير طبيعة المنطقة والظروف الاقتصادية وتراكم الديون انتهت بعودة الصيدلية إلى صاحب العقار عام 2017.

وجد مينا نفسه أمام مسؤوليات مالية كبيرة، خصوصًا أنه متزوج ولديه ولدان توأم في مرحلة الثانوية العامة. ومع تراجع الدخل، أصبح العمل في توصيل الطلبات وسيلة للحصول على دخل إضافي.

المشهد نفسه يتكرر مع منى، الصحفية في أحد المواقع الإعلامية. تعمل منى خلال النهار حتى الرابعة عصرًا، ثم تبدأ عملًا آخر من السادسة حتى العاشرة مساءً، إذ تعطي دروسًا خصوصية في منزلها.

تقول منى لـ”القصة” إنها تخرجت في كلية الإعلام، وبدأت العمل في أحد المواقع الإعلامية براتب كان مقبولًا في ذلك الوقت، لكنها بعد الزواج وجدت أن دخلها لم يعد كافيًا.

تقول: “راتبي 3500 جنيه، وعندما نحصل على مكافآت يصل إلى 4500 جنيه. هذا لا يكفي حتى مصروف شخص واحد، فكيف يكفي أسرة؟”.

مع زيادة الأعباء الاقتصادية على زوجها، بدأ التفكير في نقل ابنهما إلى مدرسة أقل تكلفة، لكنها رفضت، وقررت زيادة دخلها من خلال إعطاء الدروس الخصوصية، حتى تساعد زوجها وتحافظ على مستوى التعليم الذي يحصل عليه ابنها.

أما رؤى، خريجة طب الأسنان في قصر العيني، فكانت تتوقع أن يقودها التخرج إلى افتتاح عيادتها الخاصة. كانت تظن أن دخلها الشهري يمكن أن يصل إلى 20 ألف جنيه، لكنها اكتشفت أن بداية الطريق تحتاج إلى رأس مال لا تملكه.

تقول لـ”القصة”: “بعد التخرج اكتشفت أن فتح عيادة يحتاج إلى مليون جنيه على الأقل، بخلاف الدعاية والإعلان حتى يأتي المرضى. وأنا لا أملك حتى ألف جنيه”.

بحثت رؤى عن فرصة للعمل داخل عيادة، لكنها واجهت مطالب مالية تتعلق بتكلفة الشيفت أو نسبة من الإيرادات، وهو ما لم تستطع تحمله. في النهاية، اتجهت إلى العمل في “كول سنتر”.

وترى رؤى أن الأزمة لا تخصها وحدها، وإنما تمتد إلى أطباء الأسنان والصيادلة والممرضين مع تراجع فرص التكليف الحكومي.

وتقول: “ندرس أكثر من 7 سنوات، وفي النهاية نعمل كول سنتر، وتوضع الشهادات على أرفف المكتب كديكور”.

حين لا تكفي وظيفة واحدة

القصص الأربع تجمعها مفارقة واحدة: سنوات طويلة من الدراسة والتخصص لا تنتهي بالضرورة إلى دخل يسمح بحياة مستقرة.

محمد يعمل بعد ساعات عمله كفني كهرباء، ومينا يجمع بين الصيدلة وتوصيل الطلبات، ومنى تعمل صحفية ومدرسة خصوصية، بينما اضطرت رؤى إلى العمل في مجال بعيد عن تخصصها.

هذه الحالات تطرح سؤالًا أوسع من حدود كل مهنة: هل أصبح العمل الواحد غير كافٍ لتوفير الاحتياجات الأساسية؟ وإذا كان صاحب المؤهل مضطرًا إلى وظيفة ثانية، فماذا يحدث للوقت الذي يفترض أن يخصصه للراحة والأسرة والتطور المهني؟

ما تقوله الأرقام

الأرقام الواردة في المادة الأصلية حول أجور الصيادلة والمهندسين والصحفيين وأطباء الأسنان تحتاج إلى مراجعة مصادرها الأصلية قبل النشر. لذلك لا يمكن نسبها إلى النقابات أو الجهات الحكومية من دون الرجوع إلى البيانات المنشورة رسميًا وتحديد سنة كل رقم وطريقة احتسابه.

لكن بعض المؤشرات الرسمية تضع مستوى الأجور في سياقه الأوسع. ففي يوليو 2026، ارتفع الحد الأدنى لأجور العاملين بالدولة إلى 8 آلاف جنيه شهريًا، وفق ما أعلنته وزارة المالية ضمن حزمة الأجور الجديدة.

وفي المقابل، لا يوجد رقم واحد يمكن اعتباره “راتب المهندس” أو “راتب الصيدلي”، إذ تختلف الأجور بحسب جهة العمل والخبرة والتخصص وطبيعة العقد. لذلك فإن مقارنة راتب فرد بالحد الأدنى للأجور لا تكفي وحدها لإثبات وجود فجوة في مهنة كاملة، وإنما تحتاج إلى بيانات قطاعية موثقة.

لماذا يعمل الشباب أكثر؟

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور إلهامي الميرغني أن المشكلة الأساسية ترتبط بعدم تناسب الأجور مع مستويات الأسعار وتكاليف المعيشة.

ويقول لـ”القصة” إن ارتفاع تكلفة الاحتياجات الأساسية، من السكن والمرافق والمواصلات إلى التعليم والصحة والطعام، جعل تدبير الحياة اليومية أكثر صعوبة بالنسبة إلى أصحاب الدخول المنخفضة.

ويضيف أن انخفاض أجور جزء من العاملين في القطاع الخاص يدفع المهنيين إلى الجمع بين أكثر من وظيفة، سواء كانوا أطباء أو معلمين أو مهندسين.

لكن الميرغني يرى أن المشكلة لا تتعلق بالدخل فقط، وإنما بإهدار الموارد البشرية عندما يعمل أصحاب المؤهلات في وظائف بعيدة عن تخصصاتهم.

ويقول إن اللجوء إلى العمل الإضافي يمثل محاولة مشروعة لزيادة الدخل، لكنه يتحول إلى مشكلة عندما يصبح العمل لساعات طويلة هو الوسيلة الأساسية لتوفير الاحتياجات.

ويشير إلى أن نضال العمال تاريخيًا ارتبط بتقليص ساعات العمل، بينما يعمل بعض المصريين حاليًا لساعات طويلة بين أكثر من وظيفة، وهو ما ينعكس على صحتهم وحالتهم النفسية.

وبالنسبة إليه، لا يكفي رفع الأجور بمعزل عن توفير الخدمات والمرافق والحماية الاجتماعية، وإنما المطلوب هو علاقات عمل عادلة وأجور تتناسب مع تكاليف المعيشة وإنتاجية العامل.

الضغط يمتد إلى البيت

لا يتوقف أثر العمل الإضافي عند عدد الساعات التي يقضيها الشباب في العمل. الضغوط الاقتصادية تمتد إلى قرارات الزواج والاستقلال عن الأسرة والتعليم وتكوين بيت، وتعيد ترتيب أولويات الشباب وعائلاتهم.

ويقول الدكتور جمال فرويز، المتخصص في علم الاجتماع، لـ”القصة” إن تأثير الضغوط الاقتصادية على الشباب يختلف من شخص إلى آخر، بحسب طبيعة الشخصية وقدرتها على تحمل الضغوط، والظروف المادية والاجتماعية التي يعيش فيها الفرد، إلى جانب طموحاته وتوقعات أسرته.

ويضيف أن المال لم يعد مرتبطًا فقط بتحسين مستوى المعيشة، وإنما أصبح مرتبطًا بقرارات أساسية في حياة الشباب، مثل التعليم والعمل والاستقلال عن الأسرة والزواج وتكوين بيت وتحقيق المكانة الاجتماعية.

ويحذر فرويز من أن استمرار الضغوط الاقتصادية لفترات طويلة يمكن أن يحول الأزمة المادية إلى أزمة اجتماعية، خصوصًا إذا صاحبها شعور بعدم العدالة أو غياب تكافؤ الفرص أو فقدان الأمل في المستقبل.

لذلك، لا تبدو قصة محمد مجرد حكاية مهندس يعمل كهربائيًا بعد انتهاء ساعات عمله، ولا قصة مينا واقعة عابرة لطبيب صيدلي يعمل في توصيل الطلبات. وكذلك لا تمثل منى حالة منفردة لصحفية تعمل في مهنة ثانية، ولا رؤى خريجة طب أسنان انتهى بها الأمر إلى “كول سنتر”.

وراء كل قصة منها سؤال أكبر عن سوق العمل نفسه: ماذا يعني أن يقضي شاب سنوات في دراسة مهنة، ثم يكتشف أن الوظيفة المرتبطة بها لا توفر له دخلًا يكفي للعيش؟

وماذا يحدث عندما يتحول العمل الثاني من حل مؤقت إلى ضرورة، ويصبح الوقت الذي كان يفترض أن يخصص للراحة والأسرة والتطور المهني جزءًا من ساعات عمل جديدة؟

في هذه المعادلة، لا تبدو المشكلة في رغبة الشباب في العمل، وإنما في أن العمل الواحد لم يعد، بالنسبة إلى كثير منهم، كافيًا وحده لبناء حياة مستقرة.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

المتحدة
المتحدة تصدر بيانًا بشأن العلاقات المصرية السعودية والخطاب الإعلامي بين البلدين
الحركة المدنية الديمقراطية
الحركة المدنية تدين ملاحقة الصحفيين وتطالب بفتح المجال العام
عبد الغني الحايس
جدتي وكتابة السيناريو
الحكومة
مليارات وملايين ووعود حتى 2030..ماذا بعد منتدى مصر 2026؟

أقرأ أيضًا

منتدى مصر
بعد انتهاء منتدى مصر 2026.. سياسيون لـ "القصة": "الطرق والكباري حلوة لكن الشعب مش لاقي ياكل"
الاتحاد المصري لكرة القدم
بعد أزمات الملاعب.. اتحاد الكرة يحذر من التجاوزات ويلوح بالشطب والحرمان
f319f9dd-ad4c-4d6f-a0e0-119c2983acac
جمال قرين يكتب: منصب الرئيس سياسي.. وليس أكاديميًا
أمجد عمارة، عميد كلية تجارة المنوفية الأسبق
عميد تجارة المنوفية الأسبق ينتقد منتدى مصر 2026: اقتطعت ألف جنيه من معاشي لحضور جلسة انتهت بإهانة الحضور