الحلقة الأولى.. “صحفي وجاسوس”
توقف مشروع فيلم عن قصة حياة اعتماد خورشيد، المرأة التي أثارت الجدل وحركت المياه الراكدة، وسيطرت سيرتها وتصدرت كل مجالس النميمة في بداية التسعينيات، بعد إصدارها مذكراتها التي حملت اسم “اعتماد خورشيد شاهدة على انحرافات صلاح نصر”. الفيلم توقف إنتاجه بعد أن رفضت أسرتها طلب الرقابة على المصنفات إدخال 16 تعديلًا على السيناريو، خوفًا من حدوث خلل في محتوى ومضمون القصة التي توثق رحلتها ومعاركها، لكن كيف بدأت رحلتها؟ وما هي المعارك التي خاضتها؟ فتلك هي القصة.
في يوم 28/7/1967 بدأ التحقيق مع صلاح نصر بتهمة الانحراف، وهي انحرافات مالية وأخلاقية واستغلال للنفوذ واستخدام الإمكانيات المخصصة للجهاز في الأغراض الشخصية. وأسند عبد الناصر مهمة التحقيق مع صلاح نصر إلى المهندس حلمي السعيد، ومحمد نسيم.
وكانت أخطر الاتهامات التي وُجهت إلى صلاح نصر هي استغلال النساء وانحراف استخدامها عن هدف الخدمة إلى الأغراض الشخصية له.
وتم استدعاء “44” سيدة.
وكان من بين هؤلاء النسوة اعتماد محمد حافظ رشيدي، والمعروفة باسم اعتماد خورشيد، وهي السيدة التي كانت الشاهدة الوحيدة على صلاح نصر.
حالتها الاجتماعية تقول إنها من مواليد 29 أغسطس 1935 بمدينة المنصورة، واشتهرت باسم اعتماد خورشيد بعد زواجها من المصور السينمائي أحمد خورشيد، وعاشت حياة معقدة للغاية؛ انفصلت أمها عن أبيها، وتزوج الأب، وتزوجت الأم، وعاشت معذبة بين زوجة الأب وزوج الأم.
صلاح نصر كشف في التحقيقات أنه تم تجنيدها للعمل بالجهاز، ووقعت إقرارًا بذلك عن طريق إحدى المتعاونات، ولكنها كانت أسوأ عميلة؛ لأنها كانت شغوفة بحب المال، وكان أكبر همها هو ابتزاز المال، وتم إنهاء عملها بالجهاز في عام 1964، والسبب كان حبها الشديد للمال.
بدأت محكمة الثورة محاكمة صلاح نصر في يوم 11/5/1968، واستدعت المحكمة الشاهدة الوحيدة على صلاح نصر، السيدة اعتماد خورشيد.
تكونت المحكمة من السيد حسين الشافعي رئيسًا، وعضوية الفريق محمد عبد الكريم، واللواء سليمان مظهر، وتولى الادعاء المستشار علي نور الدين، ومعه المستشار حامد والمستشار سمير ناجي، وفي يوم 26 أغسطس 1967 قضت بسجن صلاح نصر لمدة 15 عامًا، وفي قضية رجال المشير بالأشغال الشاقة المؤبدة.
وإذا كانت أحكام محكمة الثورة قد أسدلت الستار حول العديد من الأسرار، وأُلقي بها في قاع المحيط، إلا أن هناك صنفًا من الرجال لا يغفل عنه التاريخ أبدًا، ويطفو من حين لآخر إلى سطح الحياة، وصلاح نصر واحد من هذا الصنف.
فبعد محاكمته في عام 1967 والحكم عليه بالسجن، لم تمضِ سنوات حتى تغير كل شيء في مصر، فقد مات عبد الناصر وتولى السادات الحكم، وقاد انقلابًا ضد مبادئ الثورة، واستولى على الحكم وحده، وسجن كل الرافضين لسياسته، ووضع كل من أيدوا عبد الناصر خلف القضبان، وقامت حرب أكتوبر وانتصرت مصر.
وقرر السادات أن يمشي بأستيكة على مبادئ وخط عبد الناصر، وبدأ يبحث عن معارضي عبد الناصر القدامى، وأجرى لهم عمليات إحياء، ودفع الدماء إلى شرايينهم من جديد، وكان ضمن ما أفرج عنه »مصطفى أمين«، الكاتب الصحفي، والذي لم ينسَ ثأره مع عبد الناصر وثورة يوليو بشكل عام، ومع صلاح نصر بشكل خاص.
وحرص السادات في الإفراج عن مصطفى أمين على أن يكون ضمن صفقة الجواسيس التي وقعها مع كيسنجر، وخرج لأسباب صحية، ورفض إعادة محاكمته حتى لا يحصل على براءة ويدعي بعدها تعرضه للظلم، وأن القضية كانت ملفقة، واكتفى فقط بالسماح له بتقديم مذكرة للمدعي الاشتراكي، وحصل بعدها على عفو قضائي دائم وليس براءة.
كان الإفراج عن مصطفى أمين صفقة تتفق مع تحولات السادات والاتجاه ناحية الغرب، وكان المطلوب منه استغلال قلمه في تشويه صورة عبد الناصر ومرحلته، وكان »صلاح نصر« هو الشخصية الوحيدة التي تفرغ لها مصطفى أمين للانتقام منه في صورة عهد عبد الناصر.
فطوال فترة السجن لم ينسَ »مصطفى أمين« دور صلاح نصر في كشف حقيقته والقضاء على إمبراطورية وأسطورة آل أمين، وهو الذي كشف تجسسه وعمالته للأمريكان. ومنذ خروجه من السجن وحتى موته، عجز أن ينفي عن نفسه تهمة التخابر مع الأمريكان، إلا أنه نجح في تشويه صورة »صلاح نصر« وتجريحه عن طريق »اعتماد خورشيد« وإقناعها بنشر تفاصيل شهادتها أمام محكمة الثورة. وبدأت خطة مصطفى أمين بتمهيد في عموده اليومي في أخبار اليوم.
يقول فيه: “قرأت حديثًا للصحفي المعروف محمد بديع سربيه مع النجمة مريم فخر الدين، روت فيه كيف أن رجلًا خطيرًا من أصحاب النفوذ في الستينات، رمزت له بحرفي »ص.ن«، طاردها.. قالت: وحاول إخضاعي بشيء من أنواع الضغط والإرهاب والتهديد، ولكني حاربته بأسناني وأظافري.
وقالت.. إنها أخذت ابنها وهربت به إلى بيروت، ولم يكن معها سوى 21 جنيهًا.
وقالت إنها سجلت هي ووالدتها أحاديث الرجل الخطير التليفونية وتهديداته، وأنها اضطرت أن تبقى في بيروت أربع سنوات بعيدة عن مصر؛ لأن الرجل المسؤول الكبير كان يطاردها بشراسة.
وقالت إن قصتي قصة حقيقية وهي سينمائية مائة في المائة، ولو فكر أحد في إنتاجها لدرت عليه كسبًا كبيرًا، ولكن لن أكون أنا المنتجة، وأنا أغرق الآن في بركة الإنتاج.
وبعد هذه المأساة ذهبت أدوار البطولات.. عشت في تلك الحياة أيام رعب وقلق وخوف شديد، أتذكرها اليوم كحلم مزعج، كفيلم أتفرج عليه وأصدق أحداثه.
فهل يمكن أن أصدق أن من جملة أعمال »ص.ن« أنه طلقني من زوجي؛ لأنه كان بنفسه يرسل لزوجي سيدات يشغلنه، بل كان يوحي إليَّ بطريق أو بآخر بأن زوجي يخونني، فأذهب وأرى زوجي بالجرم المشهود.
إن قصة مريم هي قصة تصلح لفيلم خطير، يروي بتفاصيل مثيرة كيف حاول مسؤول كبير أن يستغل مركزه الضخم ونفوذه الهائل لمحاولة اغتصاب نجمة مشهورة.
وكيف استطاع أن يرغمها على الطلاق من زوجها، ويزيد من أهمية القصة أن مريم تقول إنها لا تزال حتى الآن تحتفظ بالأشرطة المسجلة التي تحوي صوت المسؤول الكبير، وهو يغازل ويهدد ويتوعد.
إنني أعرف أنه يوجد ملف اسمه »انحرافات المخابرات« في الستينات، وفيه أحداث وحكايات واعترافات يشيب من هولها الولدان. وأن إحدى السلطات سحبت هذا الدوسيه الخطير من محكمة الثورة.
وأن محكمة الجنايات بالقاهرة طلبت هذا الدوسيه ثلاث مرات، ورفضت السلطات تسليمها الدوسيه.
وقد سجلت محكمة الجنايات هذه الحقيقة في حيثياتها في إحدى القضايا السياسية الأخيرة.
وقد وقع في يدي ورقة واحدة من هذا الملف الخطير، وهي صورة محضر تحقيق جرى بمبنى مجلس الثورة بالجزيرة في يوم الخميس 29 فبراير سنة 1968، الساعة 11 صباحًا، والذي تولى هذا التحقيق عبد السلام حامد، المدعي الاشتراكي الحالي. وكان في ذلك الوقت رئيس النيابة وعضو مكتب التحقيق والادعاء.
هذا الملف العجيب ممكن أن يخرج منه عشرة أفلام، ومن حق الشعب أن يعرف كل شيء.. كل شيء..