بين حضارتين عريقتين.. رحلة السوق الأكبر نموًا في عالم السفر
تقف ليو دان، السائحة الصينية من مدينة قوانغتشو، أمام تمثال رمسيس الثاني في المتحف المصري الكبير، وتتأمل بصمت تاريخًا يمتد لأكثر من خمسة آلاف عام. لم تكن وحدها؛ ففي شتاء 2026، احتفل آلاف الصينيين بـ«عام الحصان» بين أهرامات الجيزة ومعابد الأقصر، في مشهد يعكس تحولًا حقيقيًا في خريطة السياحة الوافدة إلى مصر.
أرقام تتحدث: من 300 ألف إلى مليون
في عام 2024، عبر نحو 300 ألف سائح صيني بوابات مصر، بزيادة قدرها 63% مقارنة بالعام السابق. لكن الزخم لم يتوقف؛ فقد وصل العدد إلى 360 ألف سائح في عام 2025، فيما تستهدف القاهرة جذب مليون سائح صيني سنويًا على الأقل، وثلاثة ملايين بحلول عام 2028.
وتأتي هذه الأرقام في سياق أوسع؛ إذ استقبلت مصر 19 مليون سائح عام 2025، مسجلة رقمًا قياسيًا جديدًا، وتسعى إلى استضافة 30 مليون زائر سنويًا.
ماذا يريد السائح الصيني في مصر؟
السائح الصيني اليوم ليس مجرد زائر عابر؛ بل يبحث عن تجربة ثقافية متكاملة. ويفضل البرامج التي تجمع بين المواقع التاريخية والجمال الطبيعي والمرافق الحديثة.
وتتصدر الأهرامات ومجمع معابد الأقصر والكرنك ومعبد أبو سمبل ووادي الملوك قائمة الوجهات الأكثر طلبًا، مع توجه متزايد نحو الغردقة والبحر الأحمر للاسترخاء بعد جولات ثقافية مكثفة.
وما يميز السائح الصيني، بحسب مرشدين مصريين، هو اهتمامه العميق بالتاريخ. ويصفه يوسف الهادي، المرشد السياحي الناطق بالصينية في الأقصر، قائلًا: «ينصت باهتمام عندما تروي له التاريخ، لأنه ينتمي إلى بلد حضارته عريقة، ولذلك يقدر معنى التاريخ».
عيد الربيع.. موسم ذهبي جديد
يُعد عيد الربيع الصيني، أهم مناسبة في التقويم الصيني، فرصة ذهبية لمصر. وفي فبراير 2026، شهدت المعابد والمتاحف المصرية حضورًا صينيًا لافتًا، حيث بلغت نسبة الصينيين نحو 60% من زوار معبد الأقصر خلال تلك الفترة، بحسب شهادات مرشدين محليين.
كما شهد السائحون ظاهرة تعامد الشمس على وجه تمثال رمسيس الثاني في أبو سمبل يوم 22 فبراير، في تجربة تجمع بين العلم والأسطورة.
جسور جوية وتسهيلات ملموسة
لم تعد الرحلة إلى مصر رحلة شاقة؛ إذ تُسيّر مصر للطيران وخطوط شرق الصين الجوية رحلات مباشرة بين القاهرة وشنغهاي، تستغرق نحو 10 ساعات ونصف، كما تتوسع خطوط الربط عبر مطارات صينية أخرى.
وعلى الأرض، تتسارع الخطوات لجعل مصر «صديقة للمستخدم الصيني»، على حد تعبير أحمد يوسف، الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي. فأصبح الموقع الرسمي للسياحة متاحًا باللغة الصينية، وانتشرت اللافتات الصينية في الأسواق والمواقع الأثرية، كما أضافت الفنادق الأطباق الصينية إلى قوائمها، ويتزايد عدد المرشدين الناطقين بالصينية.
تحديات على الطريق
رغم هذا الزخم، لا تخلو المسيرة من عقبات. ويعترف المسؤولون المصريون بأن الطلب العالمي على مصر يفوق حاليًا القدرة الاستيعابية، فيما تركز الاستراتيجية الحالية على مضاعفة الطاقة الفندقية وزيادة خطوط الطيران الواصلة إلى البلاد.
كما تظل بعض المخاوف من الاحتيال أو الأسعار المبالغ فيها حاضرة في ذهن المسافر الصيني، لكن المسؤولين يؤكدون أن 86% من الزوار يمنحون مصر تقييمًا للسعادة يتراوح بين أربع وخمس نجوم.
السوق الصيني.. فرصة بـ175 مليون رحلة
يدعم السياق الدولي هذا التوجه المصري؛ إذ يتوقع المحللون أن يصل عدد الرحلات العابرة للحدود التي يقوم بها الصينيون حول العالم إلى 175 مليون رحلة في عام 2026، بزيادة قدرها 10 ملايين رحلة عن العام السابق.
وفي الوقت الذي تحتفل فيه القاهرة وبكين بسبعين عامًا من العلاقات الدبلوماسية، تبدو السياحة جسرًا حيًا يربط بين شعبين يجمعهما فخر الحضارة والتاريخ.
لم تعد السياحة الصينية في مصر مجرد رقم في تقارير وزارة السياحة؛ بل أصبحت قصة تواصل بين حضارتين عظيمتين، تُروى كل يوم على ضفاف النيل وبين آثار الأقصر. والسؤال اليوم ليس ما إذا كانت مصر ستجذب المزيد من السائحين الصينيين، بل مدى سرعة قدرتها على استيعاب هذا الزخم المتسارع.