تشهد إثيوبيا لحظة فارقة في تاريخها الحديث، حيث تتلاقى الكوارث الطبيعية مع أعنف موجة تصعيد عسكري وسياسي تضرب البلاد منذ توقيع اتفاق بريتوريا للسلام عام 2022 وفي وقت تسفر فيه الفيضانات والهزات الأرضية عن سقوط ضحايا وتفاقم الأزمات الإنسانية، تتسع رقعة المواجهات العسكرية الميدانية مع استئناف القتال بين القوات الفيدرالية وقوات إقليم تيغراي، وسيطرة الأخيرة على بلدات ومناطق ذات أهمية استراتيجية.
ومع انتقال المواجهات إلى إقليمي عفر وأمهرة المجاورين، برز تطور غير مسبوق في الخريطة السياسية والعسكرية لإثيوبيا، يتمثل في تشكيل تحالف عسكري يضم سبع جماعات وقوميات مسلحة تجمعت تحت هدف واحد: إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
إثيوبيا تواجه خطر “البلقنة” والتفكك لـ 7 جمهوريات
وفي قراءة استراتيجية لطبيعة هذا التحول، أكد اللواء سمير فرج، الخبير الاستراتيجي والعسكري، في حديثه لـ”القصة”، أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يواجه لأول مرة في تاريخه تحالفاً يضم 7 قوميات وجماعات إثيوبية تتحد بالكامل ضده، على الرغم من وجود خلافات وعداوات تاريخية كبيرة بين بعضها البعض، إلا أن هدفها المعلن والمشترك أصبح اليوم هو إزاحة آبي أحمد عن سدة الحكم.
وأوضح فرج أن الخلافات السابقة مع إقليم تيغراي قبل سنوات كانت تدور حول مطالب متعلقة بالتطوير والبنية الأساسية والحصص السياسية، وهو ما سمح بإنهاء القتال حينها عبر مسار تفاوضي لاتفاق السلام، أما المشهد الحالي فمختلف كلياً؛ إذ لا يقتصر الأمر على سقوط مدينتين أو ثلاث، بل يمتد إلى تهديد خطير في إقليم عفر.
وشدد الخبير الاستراتيجي على أن إقليم عفر يمثل الشريان الحيوي والوحيد لتردد حركة التجارة والاستيراد والتصدير بين العاصمة أديس أبابا وميناء جيبوتي، مؤكداً أن قطع هذا الطريق والتسبب في عزل إثيوبيا تجارياً سيعني كارثة واختناقاً اقتصادياً كبيراً لن يتحمله النظام.
وحذر فرج من أن نجاح هذا التحالف المكون من القوميات السبع في الانتصار ميدانياً سيفتح الباب أمام “بلقنة إثيوبيا” على غرار ما حدث في يوغوسلافيا التي تفككت بعد حرب طاحنة إلى جمهوريات عدة؛ لافتاً إلى أن سقوط آبي أحمد في ظل هذه الحالة قد يحول إثيوبيا إلى 7 دول مستقلة، خصوصاً أن كل قومية من هذه القوميات تتمتع بعادات وتقاليد ولغة وثقافة مختلفة كلياً. وختم تصريحه متسائلاً عما إذا كان الجيش الإثيوبي يمتلك القدرة الكافية لمواجهة القوميات السبع في وقت واحد وعلى 7 محاور عسكرية متزامنة، وفي مقدمتها إقليم عفر الاستراتيجي.
ثغرات اتفاق بريتوريا وتوسع دائرة الصراع
من جانبه، أكد علي فوزي، الباحث في الشؤون الأفريقية “للقصة”، أن تجدد القتال بين حكومة أديس أبابا وجبهة تحرير تيغراي مرتبط بشكل مباشر بالملفات السياسية والأمنية والحدودية التي ظلت عالقة ولم تُحسم منذ توقيع اتفاق بريتوريا للسلام عام 2022.
وأوضح فوزي أن الاتفاق نجح في إيقاف الحرب واسعة النطاق في حينها، لكنه ترك قضايا شائكة دون حلول جذرية، أبرزها الأراضي المتنازع عليها، ملف عودة النازحين، استكمال ترتيبات نزع سلاح قوات تيغراي وإعادة دمجها، إضافة إلى مستقبل الترتيبات السياسية والأمنية داخل الإقليم، وهو ما أبقى فتيل التوتر الميداني قابلاً للإشتعال في أي لحظة.
وأشار الباحث في الشؤون الأفريقية إلى أن سيطرة قوات تيغراي الأخيرة على ثلاث بلدات في إقليم عفر تعد تطوراً ميدانياً مهماً، لكنها لا تعني وحدها تحولاً استراتيجياً حاسماً في مسار الصراع؛ نظراً للسخونة والسرعة التي تتغير بها خريطة السيطرة على الأرض، بدليل إعلان القوات الفيدرالية لاحقاً استعادة بلدة “ألاماتا” ذات الأهمية الاستراتيجية.
ولفت فوزي إلى أن الخطورة الحقيقية للتطورات الحالية تكمن في انتقال رقعة المواجهات المسلحة من حدود تيغراي إلى إقليمني عفر وأمهرة، حيث يقحم القتال مناطق ذات ثقل استراتيجي واقتصادي حاكم، لا سيما إقليم عفر المرتبط بطرق التجارة والإمداد الرئيسية مع جيبوتي.
وأكد الباحث أن اتساع جبهات القتال، بالتزامن مع الإعلان عن تحالف السبع جماعات المسلحة المناهضة للحكومة، يرفع احتمالات تحول المواجهة من نزاع ثنائي بين أديس أبابا وتيغراي إلى أزمة داخلية شاملة تتجاوز حدود الإقليم. غير أنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني بالضرورة العودة الفورية لسيناريو حرب (2020-2022)، إذ يظل الأمر مرهوناً بقدرة الأطراف على توسيع التحالفات الميدانية، وحجم الدعم الخارجي المقدم، ومدى قدرتها على استدامة العمليات العسكرية.
واختتم فوزي حديثه بالتأكيد على أن تفادي الانزلاق إلى حرب أهلية واسعة يستلزم وقف العمليات العسكرية فوراً والعودة لمائدة المفاوضات لاستكمال البنود العالقة من اتفاق بريتوريا، مع وضع آلية مراقبة دولية وإقليمية صارمة، وأضاف أن الأزمة تجاوزت البعد العسكري إلى أبعاد اقتصادية وإنسانية خطيرة إذ يهدد استمرار القتال بزيادة معدلات النزوح، وإرهاب حركة التجارة، وفتح الباب أمام تدخلات إقليمية تزيد من تعقيد المشهد الإثيوبي برمتها.