جاءتْ تصريحاتُ مُعدّي ومُنظمي والمشاركين في مهرجان الجونة هذا العام، والذي تنافست فيه الفناناتُ في عرض أجسادهن دون خجل، إذ كان معيارُ المفاضلة بينهن كثرةُ العري، وابتذال الحركات، وتنغيمُ الصوت، وتسبيل العينين لإثارة المشاهدين، وجذب انتباههم، مؤكدة ضياعَ حمرة الخجل، بعدما أكدتْ أكثرُ من فنانة بالمهرجان أنّ الحديث عن ملابس الفنانات، وعن تجسيد دور المرأة «المومس»، هو نظرةٌ إلى نصف الكوب الفارغ، وغضٌ للطرف عن نصفه المملوء، المتمثلِ في أنّ هذه المهرجانات، تُثبت أن مصر آمنة، وتُقامُ بها مهرجانات واحتفالات، وتقدَّم بها جوائز، وتُعرَض بها أفلامٌ تناقِش قضايا المجتمع.
وبرأيي المتواضع أنّه عذرٌ أقبحُ من ذنب، وتبريرٌ «سمج» للخطأ بمُبررات واهية، تُفسد أكثر مما تُصلح، وتقفُ على طرف نقيض مع الصدق والأمانة، التي تقتضي قولَ الحق ولو كان مرّا؛ لأنّه كان بالإمكان أن تُقامَ تلك المهرجانات، وتُعرَضَ تلك الأفلام، جنبا إلي جنب مع حرص هؤلاء الفنانات -اللائي تبارين في عرض أجسادهن، كما لو كنّ في سوق للنخاسة- على زيٍّ يتوافق مع بلد إسلامي.
إنّ المنافسة المحمومة على العري والخلاعة، تُفسد أكثر مما تصلح، وتشوّه صورة مصر بلد الحضارة والتاريخ والفن والثقافة، والتي رغم ريادتها، إلا أنها بدأتْ تنافسها دولٌ عربية أخرى، كانت بيننا وبينها مسافات واسعة، لكنها لحقتْ بنا وربما سبقتنا؛ لجديتها من جهة، واهتمامِ كثيرٍ من منظمي مهرجانات الترفيه في مصر بالشكل على حساب المضمون من الجهة المقابلة. ويأتي هذا المهرجان الأخير -الذي ابتذلت فيه فناناتٌ بلغن من العمر عتيّا- شاهدا على صحة ما أقول.
إنّ الريادة الحقيقية تتطلب ضرورة الاعتراف بالخطأ، والحرص على إصلاحه، أمّا المكابرةُ، والسفسطة بلا جدوى، وإثارة حفيظة غالبية الشعب، الذي يعاني غلاء المعيشة، بتصريحات مستفزة تنم عن جهل مركّب، فإنها لن تُقوّم معوجّا، أو تُصلح فاسدا، أو تبني بلدا، وسيكون الخاسرُ من ذلك هو مصرنا الحبيبة.
والغريب أنه إن جاز للفنانات – وأؤكد أنه لا يجوز – المنافسةُ في ارتداء الفساتين الغالية، والحرص علي إظهار جمالهن من باب أنهن نساء صدق فيهن قولُ الشاعر:
خَدَعوها بقولهم حسناء / والغواني يَغُرهٌنّ الثناء
أقول فإنه لا يجوز للفنانين، الذين تنافسوا أيضا في ارتداء «بِدلٍ» بلغت أثمانها أرقاما فلكية، رغم أنها أشبه ما تكون بزي بهلوانات السيرك أو (البلياتشو) !
ولا شك أن أسعار تلك البدل، التي تجاوزت الملايين، ستثير حفيظةَ كثيرٍ من أبناء المجتمع، ممن هم تحت خط الفقر، وستطعنُ بسكينٍ «بارد» قلبَ فقرائه، الذين يفتشُ كثيرٌ منهم في صناديق القمامة عن كسرة خبز تَسدُ جوعهم.
إننا يا سادة في مجتمع واحدٍ، تحملُنا أرض واحدة، وتُظلنا سماءٌ واحدة أيضا، وإن لم نكن إخوة في الدين، فإننا إخوةٌ في الإنسانية، لذا لابد أن يحرص بعضُنا على شعور بعض، وإن لم نُبادر بإعطاء المُحتاج، فلنستعن على قضاء حوائجنا بالكتمان؛ مراعاة لشعوره، واحتراما لفقره وعوزه، والذي لا محالة سيدفعه للحسد عاجلا أو آجلا.
أمّا أن نُصرّ على الإسراف والعري بصورة يصدق علينا فيها ما قاله الفنان عادل إمام في أحد أفلامه: «الچيبات في الطالع، والبناطيل في النازل»، فهذا هو العبثُ بعينه، وتبريره عبثٌ أشد!