فعلها الزمالك مرة أخرى متحديا للمنطق، صانعا المعجزة من معطيات لا توحي بأي نتيجة جيدة، محققا ما لم يكن يتوقعه السواد الأعظم من محللي كرة القدم على جميع انتماءاتهم، فاز الزمالك ببطولة الدوري المصري هذا العام في مفاجأة أسعدت الملايين من المصريين الذين انتشروا في الشوارع حتى الساعات الأولى من الصباح يسمعون كل من به صمم “حدوتتهم”.
إلى هنا تبدو الأمور طبيعية في أي مكان على سطح الأرض، لكننا هنا في “المحروسة” كان فوز الزمالك بالبطولة بداية لموسم الهياج والإنكار الكروي العظيم، فبمجرد أن رفع الدرع، أصيبت المنظومة الكروية بحالة من الصدمة والذهول، وتحول الفضاء الإلكتروني والإعلامي إلى سرادق عزاء مفتوح، ممزوج بحالة إنكار تستحق أن تدرس في كليات علم النفس.
تلك الحالة التي بدأت من الجماهير العادية عبر منصات السوشيال ميديا، والتي اعتبرت فوز الزمالك بالدوري “خطأ أصاب السيستم” وسرعان ما التقطت اللجان الإلكترونية المعروفة بلجان “ج.ج” طرف الخيط، فأعلنت حالة الاستنفار القصوى من الدرجة الأولى، نشطت الحسابات وصدرت التوجيهات، وكانت الخطة واضحة “ممنوع الاعتراف” وممنوع تحت أي ظرف الاعتراف بالحقيقة الجلية أن الزمالك فاز بجهده، تحول “التريند” بقدرة قادر من تحليل مباريات الكرة إلى ما يشبه تحليل المخدرات في محاولة لإثبات أن البطولة جاءت بطرق أخرى لم يعرفها الزمالك عبر تاريخه وكأن شعار تلك المرحلة “تلهيك واللي فيها تجيبه فيك”.
غير أن قمة الكوميديا السوداء تجلت عندما انتقلت تلك الحالة من الشطط إلى المنصات الرسمية، وتحديدا قناة الأهلي وجريدته الرسمية، تلك الجريدة التي من المفترض أن تتحلى بالروح الرياضية وتلتزم بميثاق الشرف الإعلامي، أفردت عددا كاملا للحديث بلغة “المصاطب” التي ضربت بالقيم الصحفية عرض الحائط، وخرجت المانشيتات تصيح بلسان حال العامة “عندنا منه كتير”، وبدلا من تسليط الضوء على الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة الفنية والرياضية للفريق وأدت إلى تلك النهاية الكارثية للموسم والتي لا تتناسب إطلاقا مع القيمة التسويقية للفريق وحجم المرتبات الفلكية التي يتقاضاها لاعبوه، راحت الجريدة لتعيد صياغة التاريخ الرياضي على طريقة “سمير وشهير وبهير”، فتحدثت عن أن “اللقب الخامس عشر” الذي نجح نادي الزمالك في تحقيقه هذا العام سبق وأن حصل عليه فريقهم عندما كان كيلو اللحمة بجنيه واحد ونصف، وكان جوز الحمام من ثلاث فرادي، وكان اللاعبون يرتدون في أرجلهم “باتا” ويرتدون أطقما رياضية من العلك ماركة “حمادة وتوتو”، وتساءلت عما أصاب جماهير الزمالك من الجنون حتى يحتفلوا بإحراز اللقب الخامس عشر لهم في عام 2026 وكيف أن هذه الفرحة مبالغ فيها من وجهة نظرهم “الحمراء”.
وكأن المطلوب من وراء تلك الحملة الإعلامية الشعواء التي تحمل قدرا من الإرهاب المعنوي أن تحتفل الجماهير البيضاء في صمت وأن تتوقف بعض القنوات الرياضية عن استضافة أبطال البطولة، وإن كان من الأمر بد فعليهم استحضار أرواح لاعبي الأهلي الذين فازوا بالدوري الـ 15 في غابر الأزمان، وفتح استوديو تحليلي يقدمه السيد “عبد ربه” على طريقة فيلم “أم رتيبة” ليتحدث الكباتن من جيل الدوري الخامس عشر عما واجهوه من صعوبات في طريق تحقيقهم للقب، والجماهير تشاهد في شغف ولسان حالها يقول “سمو، علو، ارتفاع”.
هذا ولم تتوقف السخرية عند حدود الدوري المحلي، بل امتدت للبطولات القارية، إذ أصاب البعض لوثة عقلية من مجرد فكرة مشاركة الزمالك في بطولة دوري أبطال إفريقيا العام المقبل، بينما “فريق المليارين” المدجج بأغلى الصفقات والنجوم والمدربين سيضطر للعب البطولة الكونفدرالية، التي طالما سخروا منها طوال السنوات الثلاث الماضية، ووصفوها بالدورة الرمضانية، الآن أصبح مقدرا عليهم المشاركة فيها ومواجهة فرق من عينة البط الغيني وكلب البحر الكاميروني وذكر النسناس الكيني.
ولعل من تابع برامج قناة الأهلي في الساعات القليلة الماضية اكتشف أن الكونفدرالية أصبحت بقدرة قادر بطولة “قوية” تمنح الاحتكاك الإفريقي المطلوب، وتساعد الأهلي في تلك المرحلة على بناء فريق جديد، فسبحان مغير الأحوال ومبدل البطولات، أما حينما ضاق الخناق بالبعض، ولم يجد بدا للتقليل من بطولة الزمالك الإعجازية هذا الموسم، فإذا به يلجأ إلى حيلة ذكية جدا ألا وهي الادعاء بأن الزمالك لم يفز بالدوري لأنه الأقوى بل لأن الأهلي في أضعف حالاته، وهنا نتوجه إلى أمثال هؤلاء بدعوة رقيقة لرفع النظارات السوداء التي يرتدونها والنظر إلى جدول الترتيب والأرقام هذا الموسم، لأن المفاجأة الصادمة التي يحاولون غض الطرف عنها وخداع الجماهير بها أن عدد النقاط التي حصد بها الزمالك اللقب هذا العام هو نفسه تقريبا الذي طار بسببه الجميع فرحا في الموسم الماضي واعتبروه إعجازا كرويا وتكتيكيا لا مثيل له “رغم التلاعب باللائحة” لكن بالطبع عندما يفوز الزمالك بنفس عدد النقاط “تقريبا” يصبح الدوري “ضعيفا، ومهلهلا، وفاقدا للقيمة”، وعندما يفوز به غيره يصبح الدوري الأقوى في الشرق الأوسط.
ختاما هناك دول كثيرة تمتلك بطولات محلية لا تتفوق كثيرا عن تلك التي ننظمها هنا وعلى الرغم من ذلك لا نرى هذا الكم من العبث الذي يقترن بتتويج أي فريق منافس للأهلي فمن حالة الهياج التي أصبحت متلازمة مع سماع البعض لأغنية الوايت نايتس “سمعنا يا عم الحدوتة” مرورا بمحاولة البعض “تكويد” فرحة الجماهير حتى كادوا أن يشرعوا في طباعة كتالوج لقيود الفرحة “من وجهة نظرهم” مرورا بمقولتهم الشهيرة “إنتوا لسه فرحانين لحد دلوقتي؟” مع أن درع الدوري لم يدون عليه من الخلف تاريخ لصلاحية أيام الفرحة به، وصولا إلى “عندنا منه كتير، وسبق أن حصلنا عليه أيام المرحوم عبده البقال” فبدا للجميع أن المكان الوحيد المسموح فيه بالاحتفال لم يعد استديوهات البرامج الرياضية بل في محلات فتح الله جملة ماركت.