أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

عمال اليومية الزراعية.. رزق على حافة الموت

صباح الثلاثاء 11 من أغسطس الجاري كان قاسيًا؛ إذ استيقظ أهالي الشرقية على وقع حادث طريق الدواويس المروع بالإسماعيلية، الذي أسفر رسميًا عن وفاة 18 شخصًا وإصابة نحو 30 آخرين، كان معظمهم من الشباب والأطفال من عمال اليومية الذين خرجوا لجمع الفول السوداني من مزارع العاشر من رمضان.

لم تكن الأرقام وحدها هي ما كشف قسوة الحادث، فخلف كل اسم من أسماء الضحايا حكاية، وخلف كل ناجٍ تفاصيل يوم يبدأ بحثًا عن لقمة العيش، وينتهي أحيانًا بإصابة أو فقدان أو خوف.

قرر موقع “القصة” فتح هذا الملف الشائك، والدخول في تفاصيل حياة العمالة اليومية، من خلال الاستماع إلى عشرات الشهادات حول طبيعة العمل، والأجور، وساعات العمل، ووسائل الانتقال، والتأمين، والمخاطر التي تواجه العمال.

أخبار ذات صلة

عصام سلامة
خريطة الانصياع وتفكيك السيادة.. مسار التمكين الإسرائيلي في سوريا الراهنة
WhatsApp Image 2026-08-26 at 3.08
برلمانية لـ الحكومة: نتمنى ألا تقف توجيهات الرئيس عند اصدار القرارات
WhatsApp Image 2026-08-26 at 2.19
برلماني يطالب بتشكيل حكومة جديدة: حان الوقت لإحداث تغيير حقيقي

“محمد”.. الناجي الذي كان يستعد لفرحه

بين الناجين من حادث الدواويس، كان محمد يستعد لبدء حياة جديدة، قبل أن يتحول يوم العمل إلى ذكرى قاسية.

يقول محمد، أحد العمال الناجين من حادث الدواويس، في حديثه لـ”القصة”: “بدأت عملي منذ التحاقي بالصف السادس الابتدائي، وكنت أتفق مع مقاول محدد للحصول على عمل؛ لأن العمل باليومية لا يضمن وجود فرصة عمل كل يوم، وبالتالي يرتبط دخل العامل بعدد الأيام التي يعمل فيها”.

بدأ محمد العمل في سن مبكرة، وأصبح دخله مرتبطًا بوجود فرصة عمل من عدمها، شأنه شأن كثير من العمال الذين يعتمدون على أجر اليوم لتدبير احتياجاتهم.

ويضيف أن دخل الأطفال الذين يعملون باليومية يختلف بحسب حجم العمل الذي يؤدونه، وقد يذهب هذا الدخل إلى مصروفاتهم الشخصية أو إلى مصروفات الدراسة والدروس.

لكن العمل بالنسبة لمحمد لم يكن مصدر دخل فقط، بل كان وسيلة لتجهيز حياته المقبلة.

ويشير إلى أن العمل باليومية لا يوفر للعامل قدرًا كافيًا من الأمان والاستقرار، موضحًا أن الحادث وقع في وقت كان يستعد فيه لزفافه، إذ كان من المقرر إقامة حفل زواجه في نهاية الشهر، بينما كان يوم الجمعة التالي للحادث مخصصًا لفرش وتجهيز الشقة.

الأجر مرتبط بالإنتاج

داخل الحقول، لا يكون الأجر دائمًا مرتبطًا بعدد ساعات العمل، وإنما بما يستطيع العامل إنجازه.

يشرح هاني، أحد العمال، أن العمال الذين يعملون في جمع المحاصيل يحصلون على مقابل عن كل صندوق يتم جمعه، بينما يتعامل المقاول مع أصحاب الأراضي وفقًا لكميات المحصول.

ويوضح أن الصندوق الواحد يمنح العامل ربحًا يتراوح بين 7 و8 جنيهات، وقد يحصل العامل في اليوم على 300 أو 400 جنيه في المتوسط، بينما يستطيع بعض العمال تحقيق مبالغ أكبر بحسب قدرتهم وإنتاجيتهم. ولا يحصل جميع العمال على مستحقاتهم في نهاية كل يوم.

ويؤكد عثمان، أحد الشهود، أن بعض العمال يحصلون على أجورهم كل 15 يومًا، ويمكن للعامل الحصول على سلفة خلال فترة العمل، ثم يحصل على مستحقاته في نهاية المدة بحسب ما أنجزه.

وبذلك يصبح دخل العامل مرتبطًا بعدد أيام العمل، وحجم الإنتاج، وتوافر فرصة العمل من الأساس.

مواسم تتغير.. وعمال ينتقلون

العمل الزراعي نفسه يتغير مع تغير المواسم. يوضح علاء، أحد العمال، أن الصيف يرتبط بجمع المانجو والرمان، بينما يرتبط الشتاء بجمع البرتقال واليوسفي وغيرها من الموالح، إلى جانب عمال يعملون داخل الصوب الزراعية في جمع الفراولة وغيرها من المحاصيل.

وبحسب شهادات العمال، فإن مكان العمل ليس ثابتًا، إذ ينتقلون بين عدة مزارع وفقًا لانتهاء العمل في كل مزرعة واحتياجات أصحاب الأراضي والمقاولين.

ويعني ذلك أن العامل لا يرتبط بمكان دائم يضمن له استمرار العمل، وإنما يظل دخله مرتبطًا بالمواسم وتوافر الفرص.

الأعمار تبدأ من 12 سنة”

وسط هذه التفاصيل تظهر قضية عمالة الأطفال، إذ يبدأ بعضهم العمل في سن مبكرة.

يقول عبد الله، أحد الشهود، إن بعض الشباب يبدأون العمل في المزارع في سن مبكرة، إذ يوجد عمال تتراوح أعمارهم بين 12 و20 عامًا، وقد يحقق الأصغر سنًا دخلًا أقل بسبب قلة الخبرة أو الجمع بين العمل والدراسة.

وجود طفل في الثانية عشرة داخل الحقل يفتح بابًا آخر من الأسئلة حول التعليم، وساعات العمل، والمخاطر التي قد يتعرض لها، خاصة في بيئة تتطلب جهدًا بدنيًا وتعرضًا للشمس والحرارة.

“بدون تأمين”.. والإصابة توقف الدخل

بالنسبة للعامل الذي يعتمد على أجر يومه، لا تعني الإصابة ألمًا جسديًا فقط، وإنما قد تعني توقف مصدر الدخل أيضًا.

يؤكد أحمد، أحد العمال، أنه تعرض لإصابة أثناء العمل، واضطر إلى التوقف لمدة 20 يومًا، وتلقى العلاج ووُضعت له جبيرة في المستشفى، لكنه لم يتلقَّ متابعة أو دعمًا ماديًا من جهة العمل بعد الإصابة.

ويضيف عامل آخر، يدعى أبو علي، أن العمالة اليومية في المزارع لا تحصل على تأمين، وأن العامل عندما يضطر إلى التوقف عن العمل ليوم واحد لا يحصل على أجر عن ذلك اليوم.

وهنا تصبح الإصابة عبئًا مزدوجًا؛ علاج يحتاج إلى أموال، ودخل يتوقف بمجرد توقف العامل عن العمل.

ساعتان في الطريق قبل بدء العمل

لا يبدأ يوم العامل عند وصوله إلى المزرعة، فبعض العمال يغادرون منازلهم قبل شروق الشمس.

يشير محمود، أحد الشهود، إلى أن بعض العمال يخرجون من منازلهم في الساعة الخامسة صباحًا، وقد تستغرق الرحلة ساعة أو ساعتين داخل عربات النقل بحسب موقع المزرعة.

وهكذا تضاف ساعات الانتقال إلى يوم العمل، الذي قد يبدأ قبل الفجر ويستمر حتى الظهر أو العصر.

“بنفتش ونسلم البطاقة”

يشير عم حسين، أحد العمال، إلى وجود إجراءات أمنية مشددة عند دخول بعض أماكن العمل، مثل تفتيش العمال والسيارات وتسليم البطاقات الشخصية والهواتف المحمولة عند الدخول، مع السماح في بعض الحالات باستخدام الهواتف التي لا تحتوي على كاميرا.

وتكشف هذه التفاصيل جانبًا آخر من طبيعة العمل داخل بعض المزارع، حيث يظل العامل مرتبطًا بإجراءات المكان الذي يعمل فيه، رغم عدم وجود استقرار في موقع العمل نفسه.

300 جنيه من الفجر حتى العصر

يقول مصطفى، أحد العمال، إن بعض العمالة الزراعية تحصل على نحو 300 جنيه في اليوم مقابل العمل من الفجر حتى العصر.

لكن العامل يتحمل من هذا المبلغ تكاليف الطعام والشراب، وأحيانًا تكلفة المواصلات التي يستقلها للوصول إلى موقع العمل.

وبين بداية اليوم ونهايته، يظل العامل مطالبًا بإنجاز أكبر قدر ممكن من العمل حتى يزيد دخله.

أجر ضعيف.. وساعات عمل طويلة

بعد شهادات العمال، تأتي رؤية الدكتورة فاطمة فؤاد، عضو اللجنة النقابية للعاملين بالدخل والقيمة المضافة، لتضع هذه التفاصيل في إطار أوسع.

تقول فاطمة في حديثها لـ”القصة”: “لا يوجد أجر موحد لهم بشكل عام، حيث تختلف الأجور اليومية بحسب المحافظة، وطبيعة المحصول، وموسم العمل، والمشكلة الأساسية ليست فقط في قيمة الأجر اليومي، وإنما في عدد ساعات العمل الطويلة التي تبدأ من الفجر وتمتد إلى المغرب”.

وتضيف: “كما أنها أعمال شاقة تتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا، والتعرض للشمس والحرارة والمبيدات والمخاطر المختلفة”.

وتتابع أن الأجر اليومي لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره رقمًا منفصلًا عن عدد ساعات العمل وطبيعة المخاطر، موضحة أنه لا يمكن اعتبار الأجر عادلًا إذا كان العامل يقضي عشر ساعات أو أكثر في العمل دون تنظيم واضح لساعات العمل أو فترات الراحة أو مقابل مناسب للساعات الإضافية.

وتوضح: “لذلك نطالب بوجود متابعة دورية وشفافة للأجور الفعلية في القطاع الزراعي، وربط الأجر بعدد ساعات العمل، مع ضمان حد أدنى عادل للأجر وحماية العامل من الاستغلال خلال مواسم الذروة”.

قانون التأمينات اعترف بعمال الزراعة

وتؤكد فاطمة أن قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 اعترف بالعاملين المؤقتين في الزراعة ضمن الفئات التي تستهدفها الحماية التأمينية، بما يشمل العاملين في الحقول والحدائق والبساتين ومشروعات الثروة الحيوانية والدواجن والمناحل والاستصلاح والاستزراع.

كما تؤكد الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي أن عمال اليومية يخضعون للتأمين الاجتماعي وفقًا للقواعد المنظمة لذلك.

وتضيف أن الأصل هو ألا يتحمل العامل نتيجة الخلاف بين صاحب المزرعة ومقاول العمالة، فإذا كان العامل يعمل لحساب صاحب المزرعة وتحت إشرافه، أو يتم توفير العمال عن طريق مقاول، فيجب تحديد المسؤوليات بوضوح وضمان تسجيل العمال وتأمينهم فعليًا، خاصة ضد إصابات العمل.

الطابع المؤقت.. وسيلة للهروب من الحقوق

وتقول فاطمة: “من وجهة نظري، يجب أن تكون هناك مسؤولية مشتركة أو تضامنية عند وجود مقاول للعمالة، بحيث لا يستطيع أي طرف الهروب من المسؤولية وترك العامل بلا تأمين، فالعامل الذي يصاب أثناء العمل يجب أن يحصل على الحماية والرعاية والتعويض المستحق، لا أن يدخل في نزاع طويل لمعرفة من المسؤول عنه”.

وتشير إلى أن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي رفعت الحد الأدنى لأجر الاشتراك التأميني إلى 2700 جنيه اعتبارًا من يناير 2026، مؤكدة أن تحديد الحد الأدنى للأجر يساعد في التعامل مع الفئات التي يصعب تحديد أجورها، ومنها عمال الزراعة والعمالة غير المنتظمة.

وترى أن المشكلة ليست في العمل الموسمي ذاته، وإنما في تحويل الطابع المؤقت إلى وسيلة دائمة للتهرب من الحقوق.

وتوضح أنه لا يجوز أن يستمر العامل سنوات في أداء عمل منتظم ومستمر، ثم يظل يوصف بأنه “عامل مؤقت” فقط لحرمانه من الاستقرار أو التأمين أو الإجازات أو الحماية القانونية.

وترى أن حقوق العمال الزراعيين يجب أن تشمل الأجر العادل والمنتظم، والحماية التأمينية والاجتماعية، والتأمين ضد إصابات العمل، وبيئة عمل آمنة، وتنظيم ساعات العمل وفترات الراحة، وإثبات علاقة العمل، والحق في التنظيم النقابي والتعبير عن المطالب الجماعية.

قانون العمل وحماية الأطفال

وتشير فاطمة إلى أن قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 أكد حماية العامل من تحويله بين نظم الأجر بصورة تمس حقوقه المكتسبة، وهو مبدأ يجب أن يمتد تطبيقه عمليًا إلى مواجهة التحايل باستخدام مسميات العمالة المؤقتة أو اليومية.

كما تؤكد أن موقف النقابة واضح: “لا يجوز أن يكون الفقر أو حاجة الأسرة مبررًا لتعريض الأطفال للاستغلال أو المخاطر أو حرمانهم من التعليم”.

وتوضح أن قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 يحظر تشغيل أو تدريب الأطفال في الأعمال التي تعرض صحتهم أو سلامتهم للخطر أو تعوق استمرارهم في التعليم، كما وضع ضوابط خاصة لساعات عمل الأطفال، فلا يجوز تشغيل الطفل لأكثر من ست ساعات يوميًا مع فترات للراحة.

وفي القطاع الزراعي، تزداد أهمية هذه الحماية بسبب مخاطر التعرض للشمس والحرارة، واستخدام المواد الزراعية، وحمل الأوزان، فضلًا عن وسائل النقل غير المناسبة.

مطالب للحد من عمالة الأطفال

وتختتم فاطمة حديثها بالتأكيد على أن النقابة تطالب بتنظيم حملات التفتيش على مواقع العمل الزراعي، ووجود رقابة خاصة خلال مواسم الحصاد، وحصر الأطفال المعرضين للتسرب من التعليم بسبب العمل.

كما تطالب بدعم الأسر اقتصاديًا حتى لا تضطر إلى الاعتماد على دخل الأطفال، وإلزام أصحاب الأعمال والمقاولين بالإبلاغ عن العمالة الموجودة لديهم والتحقق من أعمارهم، وتشديد العقوبات على تشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة.

وتشدد على أهمية التنسيق بين النقابات ومنظمات المجتمع المدني لتنفيذ حملات التوعية والرصد، وتوفير برامج تعليم وحماية اجتماعية للأطفال وأسرهم.

وتقول: “وبصفتي ممثلة عن نقابة العاملين بالضرائب، أرى أن قضية العمال الزراعيين ليست بعيدة عن أي نقابة عمالية، فالعامل، سواء كان يعمل في الضرائب أو المصنع أو الحقل أو البناء، له الحق نفسه في الأجر العادل، والتأمين، والأمان، والكرامة الإنسانية، والحد من عمالة الأطفال”.

وتضيف أن الحاجة أصبحت ملحة إلى تضامن نقابي أوسع بين مختلف القطاعات، لأن أخطر ما يواجه العمال اليوم هو اتساع دائرة العمل غير المنتظم والمؤقت دون حماية اجتماعية حقيقية.

وتختتم: “حماية العامل الزراعي ليست قضية فئوية، بل هي جزء من معركة العدالة الاجتماعية والعمل اللائق لجميع العمال في مصر”.

وفي نهاية هذه الشهادات، تبدو العمالة اليومية أكبر من مجرد أجر يحصل عليه العامل في نهاية يومه؛ إنها حياة تبدأ قبل الشروق، ورحلة قد تستغرق ساعتين، وساعات من العمل الشاق، ودخل يرتبط بالإنتاج، وإصابة قد توقف مصدر الرزق، وطفل قد يجد نفسه في الحقل بدلًا من المدرسة.

حادث الدواويس كشف جانبًا قاسيًا من هذه الحياة، لكنه لم يبدأ المشكلة ولن ينهيها؛ فالمواسم ستأتي، وسيخرج عمال اليومية مرة أخرى بحثًا عن فرصة عمل، وسيظل السؤال قائمًا: من يضمن أن يعود العامل في نهاية يومه إلى بيته، ومعه أجره وحقه في الأمان؟

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

النائب باسل عادل
باسل عادل لرئيس هيئة التأمينات: امنع تجاوزات الموظفين واصرف المتأخرات بدلًا من منع التصوير
file_00000000316c81f4828e59fc2a482716
عمال اليومية الزراعية.. رزق على حافة الموت
قاع الهامور
"قاع الهامور" ليس البداية.. كيف عاش المصريون قرونًا وهم يسخرون من واقعهم؟
98af083b-f516-4859-992a-359b33e07080
السياحة والطيران وسياسة السماوات المفتوحة

أقرأ أيضًا

سعر الذهب
تراجع بقيمة 10 جنيهات.. تعرف على أسعار الذهب اليوم 
تنزيل
مرتبك بيكفيك؟.. 32 ألف جنيه تكشف فاتورة المعيشة الحقيقية لأسرة مصرية
file_0000000029d881f4b71b81dda17809a5
«سبلايز المدارس».. قائمة صغيرة تحولت لفاتورة بالآلاف
خالد البلشي
نقيب الصحفيين: نحتاج نقاشا جادا حول سبل مد الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة