لم تعد طبول الحرب في القارة العجوز تقرع بالأسلحة التقليدية والمدافع الدبلوماسية فحسب بل بدأت الأجواء الأوروبية تتلبد مجددًا بغيوم الفطر النووي التي ظن العالم أنه طوى صفحتها مع سقوط جدار برلين، وتتجاوز الفكرة هنا مجرد رصد روتيني لنشر وحدات عسكرية أو صواريخ عابرة بل ترتبط بتحول عقائدي مرعب يعاد فيه رسم مستقبل الأمن الأوروبي بالكامل على وقع اصطدام طموحات حلف شمال الأطلسي الناتو بالخطوط الحمراء لروسيا، وفي هذه القراءة نفتح ملف إعادة تسليح أوروبا نوويًا لنكشف كيف تحولت القارة من ساحة للسلام والتكامل الاقتصادي إلى رقعة شطرنج رئيسية تستعد فيها واشنطن لمواجهة كبرى وتعيد إحياء عقيدة توازن الرعب التي باتت اللغة المفضلة للسياسة الدولية.
تحديث المظلة الأمريكية.. رسائل واشنطن الحاسمة لموسكو
قال الدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية في تصريحات لـ “القصة”: “إن التحرك الأمريكي الأخير نحو تحديث وتوسيع نشر القدرات النووية في القارة الأوروبية لا يمكن فصله عن سياق الميدان الأوكراني وتطوراته الحالية”، وأوضح فهمي في قراءته للمشهد أن واشنطن تبني تحركاتها بناء على معطيات جديدة أبرزها تآكل الخطوط الحمراء وتحول حرب أوكرانيا من صراع حدودي إلى حرب استنزاف استراتيجية بالوكالة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي الناتو، وأكد أستاذ العلوم السياسية مبينًا أبعاد المشهد أن الهدف الأساسي من هذا التحرك هو توجيه رسالة حاسمة ومباشرة إلى موسكو لكسر الابتزاز النووي الذي لوحت به روسيا مرارًا وإعادة التأكيد على أن المظلة النووية الأمريكية فوق أوروبا لا تزال مفعلة وصارمة فضلًا عن تقديم تطمين عسكري ملموس لدول الجناح الشرقي للحلف كبولندا ودول البلطيق.
سباق تسلح بلا قواعد .. انتقال استراتيجي من الردع بالإنذار إلى التموضع النشط
وفيما يتعلق بالحديث عن العودة إلى أجواء القرن الماضي أكد فهمي مفسرًا أبعاد التسليح أننا لا نعيش مجرد أجواء حرب باردة جديدة بل ننتقل خطوة أبعد نحو الأمام، وأضاف في تحليله الاستراتيجي أننا نتحول اليوم من مرحلة الردع بالإنذار إلى مرحلة الردع بالتموضع النشط وهو ما يمثل خطورة بالغة على الأمن السلمي الدولي، وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن الفارق الجوهري بين اليوم والحرب الباردة السابقة يكمن في أننا نعيش حاليًا في بيئة استراتيجية بلا قواعد بعد انهيار اتفاقيات ضبط التسلح الدولي مثل اتفاقية القوات النووية متوسطة المدى، وتابع مبينًا خطورة الموقف بأنه نتيجة لذلك عاد توازن الرعب كآلية وحيدة لمنع الانفجار الشامل مع اتجاه خطير في العقيدة العسكرية نحو التركيز على الأسلحة النووية التكتيكية الأقل قوة تدميرية مما يرفع احتمالية استخدامها في الصراعات التقليدية بشكل غير مسبوق ويفتح الباب أمام انزلاق العالم نحو مواجهات مباشرة لا تحكمها أي قواعد للاشتباك المعتاد.
قراءة روسية للتصعيد .. حصار مضاد وتعديل متوقع لعقيدة الردع
وحول رد الفعل الروسي المتوقع قال أستاذ العلوم السياسية: “إن موسكو لن تقف موقف المتفرج بل تقرأ هذه الخطوات من منظور التهديد الوجودي المباشر وهو ما سيدفعها تلقائيًا لتعديل عقيدتها النووية لضمان سرعة الرد”، وأضاف فهمي محللًا مسارات التحرك الروسي أن موسكو ستتعامل مع هذا التصعيد على مسارين يتمثل الأول في اعتباره أوراق ضغط تفاوضية لرفع السقف في أي تسوية مستقبلية للملف الأوكراني، واستطرد مبينًا المسار الثاني بأنه يشمل رد فعل ميداني خشن يتضمن نشر قاذفات استراتيجية وصواريخ إسكندر وكينجال الحاملة لرؤوس نووية في بيلاروسيا وجيب كالينينجراد لفرض حالة حصار نووي مضاد على القارة الأوروبية واستعادة توازن القوى الردعي في مواجهة توسع حلف الناتو العسكري.
القارة العجوز في قلب العاصفة .. فقدان الاستقلالية وعودة الواقعية الخشنة
وأشار فهمي في ختام تقييمه للمشهد إلى أن أوروبا تجد نفسها اليوم ممزقة أمام معضلة إقليمية وأمنية كبرى فبينما يرى الجناح الشرقي في الخطوة الأمريكية حماية وجودية لا غنى عنها ترى القراءات الواقعية الأخرى أن القارة تتحول مجددًا إلى خط المواجهة الأول والهدف الرئيسي لأي ضربات استباقية مما يعني فقدان أوروبا التدريجي لاستقلاليتها الاستراتيجية وتحولها لرهينة صراع القوى العظمى، وفي ختام حديثه لـ “القصة” أكد أستاذ العلوم السياسية بوضوح أن السلاح النووي عاد بالفعل ليكون لغة السياسة الدولية البديلة عن الدبلوماسية التقليدية التي تراجعت للوراء، ولفت مفسرًا التحولات الدولية إلى أن القوى الكبرى لم تعد تؤمن بالاتفاقيات الورقية بل أصبحت تعرض ترساناتها النووية علنًا كأوراق ضغط لفرض الإملاءات مؤشرًا بدخول العالم مرحلة الواقعية الخشنة حيث تكتب القوة العارية تفاصيل القانون الدولي الجديد المعتمد على توازن الرعب المتبادل.