كل يوم يظهر وسيط جديد على طاولة المفاوضات، وتستمر الأحاديث المتبادلة بين الدول بشأن إيجاد حل لهذا الصراع، والوصول إلى مفاوضات وشروط تناسب الطرفين، إلا أن هناك سببًا مبهمًا يظل قائمًا وراء فشل هذه المفاوضات.
ويقول السفير الدكتور محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، في حديثه لـ “القصة” يبرز اختيار باكستان وسيطًا رئيسيًا بين الولايات المتحدة وإيران بوصفه تعبيرًا عن تحوّل في هندسة الوساطات، وليس مجرد تبديل للأدوار التقليدية؛ فإسلام آباد تمتلك مزيجًا فريدًا من العلاقات الأمنية مع واشنطن، والتواصل العملي مع طهران.
إسلام آباد وسيط مقبول
ويضيف: فضلًا عن موقعها الجيوسياسي المرتبط مباشرة بأمن الطاقة وممراته، وهو ما يمنحها قدرة على لعب دور “غير مستفز” للأطراف، ويجعلها وسيطًا مقبولًا في لحظة تتراجع فيها الثقة، وتتصاعد فيها الحاجة إلى قنوات اتصال غير مباشرة”.
ويتابع: كما تدرك باكستان أن هذا الدور لا يقتصر على الوساطة السياسية، بل يمثل فرصة لإعادة تموضعها في النظامين الإقليمي والدولي، وتعزيز وزنها الاستراتيجي بين واشنطن وبكين دون الدخول في صدام مع أيٍّ منهما”.
ويكمل: كما أن استقرار الخليج وممرات الطاقة ينعكس مباشرة على أمنها الاقتصادي، ما يجعل الوساطة جزءًا من حسابات الأمن القومي الباكستاني، وليس مجرد مبادرة دبلوماسية. وتختلف هذه الوساطة عن سابقاتها في كونها لا تستهدف اتفاقًا شاملًا بقدر ما تسعى إلى إدارة التوتر ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة؛ فالوساطات السابقة، سواء عبر أوروبا أو القنوات الخلفية، ركزت على الملف النووي أو تخفيف العقوبات”.
ويستكمل: “بينما تتحرك الوساطة الحالية في مساحة أوسع تشمل أمن الملاحة، واحتواء الاحتكاك العسكري، وضبط قواعد الاشتباك. ولا تزال واشنطن تنظر إلى إيران باعتبارها مصدر تهديد للنظام الإقليمي، بينما ترى طهران في السياسات الأمريكية محاولة دائمة للاحتواء والضغط. وهنا يأتي دور الوسطاء، ليس لبناء الثقة الكاملة، بل لمنع انهيار قنوات الاتصال”.
ويردف: “أما القضايا الأكثر حساسية، مثل الضغوط البحرية الأمريكية على الموانئ الإيرانية وتأمين ممرات الطاقة، فهي ملفات تتجاوز قدرة أي وساطة محدودة على حسمها. وما يمكن تحقيقه هو ترتيبات لخفض التصعيد وتجنب الاحتكاك المباشر، لكن إزالة جذور الأزمة تظل مرتبطة بتفاهمات أوسع تشمل البرنامج النووي والعقوبات. بمعنى آخر، قد تنجح الوساطة في إدارة المخاطر، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء أسبابها”.
تركيا ودور الوساطة
ويقول: “تلعب تركيا دورًا مكملًا يمنح الوساطة بُعدًا إضافيًا؛ فأنقرة تمتلك علاقات متوازنة مع واشنطن، وقنوات مفتوحة مع طهران، وخبرة متراكمة في إدارة أزمات معقدة. ولا يقتصر دورها على الدعم السياسي، بل يشمل توفير غطاء متعدد الأطراف يعزز فرص نجاح التحرك الباكستاني، حتى وإن ظل التنسيق الإقليمي الأوسع، بما في ذلك مع الدول العربية، في إطار غير مؤسسي حتى الآن”.
ويتابع: “كما أن إسرائيل تدفع باتجاه التصعيد، سواء عبر الضغط على واشنطن أو من خلال رسائل ميدانية غير مباشرة، انطلاقًا من قناعة بأن أي تقارب أمريكي–إيراني يضعف موقعها الاستراتيجي. غير أن هذا النهج بدأ يواجه تراجعًا تدريجيًا في التعاطف الدولي، خاصة مع تزايد الإدراك بأن سياسات التصعيد لا تُنتج استقرارًا، بل تعمّق حالة عدم اليقين في المنطقة”.
ويشير: “وتظل أمام الوساطة تحديات جدية، في مقدمتها استمرار استعراض القوة الأمريكي في المنطقة، وتصعيد الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب تضارب الحسابات داخل دوائر صنع القرار في واشنطن نفسها، وتعقيد الملف النووي، فضلًا عن ضغوط إقليمية من أطراف ترى في التهدئة تهديدًا لمصالحها”.
ويختتم: “يبرز الدور المصري بوصفه عنصر توازن استراتيجي حاسم؛ فمصر، بحكم موقعها وإدارتها لممرات حيوية مثل قناة السويس، وبفضل علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، تمثل عامل استقرار لا غنى عنه، كما يتسم بالهدوء وعدم السعي إلى الواجهة، لكنه يلعب دورًا محوريًا في دعم أي ترتيبات لأمن الطاقة، وتوفير غطاء عربي متوازن، وربط أمن الخليج بأمن البحر الأحمر في رؤية شاملة”.
البيع السياسي للأطراف الوسيطة
وتقول سارة كيرة، خبيرة العلاقات الدولية إن ما يمنح إسلام آباد وأنقرة ميزة تفضيلية كوسطاء ليس «حيادًا أخلاقيًا»، بل قابلية «البيع السياسي» للطرفين، كما أن باكستان تمتلك علاقة مركبة مع واشنطن «أمنية–عسكرية» دون أن تكون تابعًا كاملًا، وفي الوقت نفسه لديها قنوات ثقة مفتوحة مع إيران بحكم الجغرافيا والحدود والمصالح الأمنية.
وتابعت: “وهذا يجعلها وسيطًا غير مستفز لطهران، ومقبولًا أمنيًا لواشنطن. كما أن تركيا تلعب على حبلين بمهارة؛ فهي عضو في «الناتو»، لكنها ليست نسخة من السياسة الأمريكية، ولديها خبرة في الوساطات المعقدة مثل «روسيا–أوكرانيا» واتفاق الحبوب”.
وتكمل: “وبالنسبة لإدارة ترامب تحديدًا، فهو يفضل وسطاء يتحدثون بلغة المصالح لا القيم، وهو ما ينسجم مع عقليته التفاوضية”.
وتستطرد: “أما بشأن قدرة باكستان على إقناع طهران بتقديم تنازلات، فهذه القدرة محدودة لكنها ليست منعدمة؛ فوقف تخصيب اليورانيوم بالنسبة لإيران ليس ملفًا تقنيًا، بل أداة ردع سيادي، وأي تنازل فيه يُعد تهديدًا مباشرًا لتوازنها مع إسرائيل والغرب. وباكستان لا تملك أدوات ضغط اقتصادية كبيرة على إيران، لكنها تمتلك قنوات أمنية غير معلنة”.
تناقض في السلوك الأمريكي
وأردفت كيرة: “أن نجاح الوساطة مع استمرار الحصار البحري الأمريكي يُظهر التناقض الجوهري في السلوك الأمريكي؛ فالوساطة بطبيعتها تحتاج إلى مساحة من التهدئة، لا إلى خنق كامل. لكن الأهم من هذا التناقض هو ما يكشفه؛ إذ لا يبدو الأمر مجرد ضغط تفاوضي، بل مؤشرًا واضحًا على تخبط وفقدان جزئي للسيطرة على مسار الأزمة”.
وتقول: “في هذا التوقيت الحرج، لا يمكن فصل التحركات العسكرية لإسرائيل عن الإيقاع العام الذي تضبطه واشنطن، بل هي جزء من توزيع أدوار محسوبة؛ إذ تمارس إسرائيل الضغط الميداني المباشر عبر التهديد أو الضربات المحدودة، بينما تحاول الولايات المتحدة إبقاء باب التفاوض مفتوحًا عبر وسطاء مثل تركيا وباكستان”.
وتختتم: إن هذا النموذج يمنح إدارة ترامب قدرة على رفع سقف الضغط دون الانخراط الكامل في مواجهة مباشرة، لكنه في الوقت ذاته يخلق بيئة تفاوضية شديدة الهشاشة؛ إذ إن أي تصعيد إسرائيلي غير منضبط يعزز التيار المتشدد داخل إيران، ويقوّض فرص تقديم تنازلات، بل ويدفع طهران إلى إعادة تعريف التفاوض بوصفه استجابة للضغط، لا خيارًا استراتيجيًا.