أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

“تخضير القاهرة” أم تصحيرها.. من المسؤول عن مجازر الأشجار؟

قطع الأشجار

اختفى ظل القاهرة

في أحد شوارع القاهرة، يقف عامل النظافة الخمسيني سيد أحمد، في منتصف يوم عمل طويل، اعتاد الرجل أن يجد تحت الأشجار الكبيرة مساحة قصيرة يلتقط فيها أنفاسه من حرارة الشارع، قبل أن يعود إلى عمله. لكن المساحات التي كانت تمنحه الظل بدأت تختفي، ومعها اختفى جزء من المكان الذي اعتاد أن يستريح فيه.

يقول سيد لـ”القصة”: “أنا بقف تحت الشجر عشان أرتاح من الحر، دلوقتي الشجر بيتقطع، مين هيفكر في الناس اللي بتشتغل في الشارع؟”، بالنسبة إليه، لا تتعلق المسألة بشكل الشارع أو عدد الأشجار التي تظهر في الصور الرسمية، وإنما بمساحة ظل يحتاج إليها خلال ساعات عمله.

أخبار ذات صلة

IMG_20260909_113845
من جيوب الإيرانيين إلى طاولة ترامب.. هل تنجح العقوبات في إسقاط النظام؟
الانتخابات
دعوى أمام مجلس الدولة تطعن على رسوم التقاضي عن بُعد وتتهم وزارة العدل بمخالفة الدستور
عصام سلامة
هندسة الوعي.. خطورة الاعتياد العربي على الدمار وهدم الدول والاحتلال

 

وتتكرر الحكاية مع مي.ح، مدرسة في الأربعينيات من عمرها، ترى أن الشوارع التي تصطف الأشجار على جانبيها تبدو أكثر هدوءًا ونظافة، كما توفر الأشجار حماية من حرارة الصيف. أما محمد.ع، البالغ من العمر 17 عامًا، فينظر إلى الأشجار التي سبقت ميلاده باعتبارها جزءًا من المشهد الذي نشأ فيه. يقول لـ”القصة”: “ليه شجرة موجودة قبل ما أتولد تتقطع؟ المهم مش بس نزرع شجرة تانية، المهم نعرف الشجرة دي اتقطعت ليه وراحت فين”، متسائلًا عن مصير الأخشاب التي تظهر في صور الأشجار الكبيرة بعد تقطيعها إلى أجزاء، ومن المستفيد منها.

هذه الأسئلة تزامنت مع وقائع متكررة لإزالة أشجار في عدد من شوارع القاهرة والجيزة، بالتوازي مع مشروعات تطوير وتوسعة طرق ومحاور، بينما أصدرت الحكومة في الوقت نفسه توجيهات جديدة لزيادة المساحات الخضراء في القاهرة.

مدينة تخسر مساحاتها الخضراء

لا توجد، حتى الآن، قاعدة بيانات رسمية منشورة توضح إجمالي عدد الأشجار التي أزيلت خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2026، وهو ما يجعل قياس حجم الإزالة خلال الفترة الأخيرة صعبًا. وفي المقابل، توجد أرقام سابقة توضح أن تراجع المساحات الخضراء في القاهرة ليس مسألة مرتبطة بالأيام الأخيرة وحدها.

وتشير دراسة تناولت التغير في المساحات الخضراء بالقاهرة إلى فقدان نحو 910 آلاف متر مربع من المساحات الخضراء بين عامي 2017 و2020، مع انخفاض نصيب الفرد من المساحات الخضراء من نحو 0.87 متر مربع إلى 0.74 متر مربع.

وفي عام 2022 أطلقت الحكومة مبادرة “100 مليون شجرة”، التي تستهدف زراعة 100 مليون شجرة على مستوى الجمهورية خلال عدة مراحل، ضمن أهداف مرتبطة بزيادة نصيب الفرد من المساحات الخضراء وتحسين جودة الهواء ومواجهة آثار تغير المناخ.

وبينما تتوسع خطط زراعة الأشجار، يظل السؤال المختلف هو ما يحدث للأشجار القائمة بالفعل، خصوصًا الأشجار الكبيرة التي احتاجت سنوات طويلة حتى تصل إلى حجمها الحالي.

عندما تصبح الشجرة جزءًا من قرار التطوير

في عدد من الحالات، تقول الجهات التنفيذية إن إزالة الأشجار جاءت ضمن أعمال تطوير الطرق والمحاور أو بسبب تعارضها مع مشروعات البنية التحتية، بينما جرى الحديث في حالات أخرى عن نقل بعض الأشجار وزراعة بدائل مكانها.

وفي 31 أغسطس، وجهت وزيرة التنمية المحلية منال عوض بحصر الأشجار التي جرى قطعها في شارع جامعة الدول العربية، وبيان أسباب إزالتها بدلًا من نقلها، مع التشديد على إعادة زراعة الأشجار بأعداد أكبر، واختيار الأنواع التي تتناسب مع طبيعة الموقع.

كما تحدثت الوزارة عن اتجاه بعض المحافظات التي لديها شبكات لحصر المرافق إلى إعداد خرائط رقمية وترميز الأشجار القائمة، بهدف معرفة مواقعها والحفاظ عليها خلال أعمال التطوير.

لكن هذه الإجراءات تفتح سؤالًا آخر يتعلق بالمعايير التي يُتخذ على أساسها قرار الإزالة: متى تكون إزالة الشجرة ضرورة هندسية؟ ومتى يكون نقلها ممكنًا؟ ومن يراجع التصميمات قبل بدء تنفيذ المشروع للتأكد من عدم إمكانية الحفاظ عليها؟

عندما يصبح قطع الأشجار سؤالًا سياسيًا

يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق أن قضية الأشجار تكشف تناقضًا بين الخطاب الرسمي بشأن زيادة المساحات الخضراء وما يجري على الأرض، معتبرًا أن المشكلة ليست وليدة الفترة الحالية، وإنما ارتبطت خلال السنوات الماضية بأعمال توسعة الطرق وإنشاء الكباري والمشروعات العمرانية في مناطق مختلفة، من بينها مصر الجديدة والمهندسين والمعادي.

ويشير صادق إلى أن القاهرة فقدت، وفق بيانات ودراسات سابقة، مساحات كبيرة من المناطق الخضراء، في الوقت الذي أطلقت فيه الدولة مبادرات لزيادة التشجير، معتبرًا أن زراعة أشجار جديدة لا تعني بالضرورة تعويض الأشجار الكبيرة التي جرى قطعها، لأن الشجرة الجديدة تحتاج سنوات حتى توفر الظل والوظائف البيئية نفسها التي توفرها شجرة ناضجة. وقد تناولت تقارير سابقة تصريحات لصادق بشأن البعد السياسي للاحتجاج على تقليص المساحات الخضراء.

ويضيف أستاذ علم الاجتماع السياسي أن وجود قوانين وشكاوى ومطالبات برلمانية لا يكفي، في رأيه، إذا لم تصاحبها آليات واضحة للرقابة والمساءلة، مشيرًا إلى أن التعهد بزراعة أشجار بديلة لا يعيد الشجرة القديمة إلى مكانها ولا يعوض فورًا أثرها البيئي.

ويرى صادق أن تكرار وقائع قطع الأشجار رغم التوجيهات الرسمية المتعلقة بزيادة المساحات الخضراء يكشف، من وجهة نظره، عن فجوة بين ما تعلنه الدولة من توجهات وما يحدث أثناء التنفيذ، مضيفًا أن تكرار عمليات القطع «لا يمكن أن يحدث دون ضوء أخضر من أعلى»، وهي عبارة تعبر عن تقييمه السياسي للوقائع وليست نتيجة تثبتها «القصة» بصورة مستقلة.

الدولة تقول تخضير القاهرة

في 6 سبتمبر 2026، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتبني مشروع “تشجير القاهرة”، مع توجيه بتحويل أي مساحات يتم إخلاؤها إلى مساحات خضراء.

وفي اليوم التالي، عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعًا مع وزيرة التنمية المحلية منال عوض، ووزيرة الإسكان رندا المنشاوي، ومحافظ القاهرة إبراهيم صابر، وعدد من المسؤولين والاستشاريين، لمتابعة تنفيذ التوجيهات الخاصة بتخضير القاهرة. وشملت التوجيهات بدء زراعة الطريق الدائري والمحاور الرئيسية، ووضع نموذج موحد لتشجير الطرق والمحاور، وحصر الأراضي الحكومية غير المستغلة وتحويلها إلى حدائق ومساحات خضراء، مع الاستفادة من مياه الصرف المعالجة في أعمال الري.

وفي اليوم نفسه، أعلن محافظ القاهرة إبراهيم صابر أنه لن تكون هناك عمليات قطع جديدة للأشجار، وأن التعامل معها سيقتصر على التقليم عند الضرورة، مع إعادة زراعة الأشجار في شارع جامعة الدول العربية.

هذه التوجيهات الرسمية تجعل السؤال المتعلق بقطع الأشجار مرتبطًا بصورة مباشرة بطريقة انتقال القرار من المستوى السياسي إلى الجهات التنفيذية المسؤولة عن الطرق والأحياء والمحافظات.

من يملك قرار القطع؟

يقول خبير علوم البيئة والمناخ هشام عيسى إن هناك فجوة بين التوجيهات الصادرة من الدولة وبين طريقة تنفيذها على المستوى المحلي، متسائلًا عما إذا كانت الأجهزة المحلية على معرفة كاملة بتوجيهات القيادة السياسية وخطط الدولة والتزامات مصر الدولية المتعلقة بمواجهة التصحر وتغير المناخ.

 

ويرى عيسى أن توجيه الرئيس بشأن تخضير القاهرة “يضع النقاط فوق الحروف”، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا حول ما إذا كان صدور التوجيه جاء بعد تصاعد الجدل المجتمعي والإعلامي حول إزالة الأشجار، ويتساءل عما إذا كانت هناك توجيهات رئاسية سابقة تسمح بقطع الأشجار أو إزالة بعضها.

 

وبحسب عيسى، تقع المسؤولية الأساسية عن الأشجار داخل نطاق المحليات على الجهات المحلية، إذ تقوم الأحياء أو مجالس المدن بتنفيذ أعمال القطع أو الإزالة، بينما تتبع هذه الجهات المحافظات، وتتداخل في الملف اختصاصات وزارة التنمية المحلية ووزارة البيئة.

ويعتبر عيسى أن وزارة البيئة ينبغي أن يكون لها دور مركزي في هذا الملف، بالنظر إلى الالتزامات الدولية لمصر في مواجهة التصحر وتغير المناخ، متسائلًا عن مدى التنسيق بين الوزارة ومجلس الوزراء والجهات التنفيذية المختلفة.

ويطالب عيسى بأن يناقش البرلمان المسؤولين عن الملف، وأن يسأل عن أسباب عدم تنفيذ الخطط والتوجيهات المتعلقة بزيادة المساحات الخضراء، مشيرًا إلى أن الأشجار لا ترتبط فقط بالبيئة، وإنما تحمل أيضًا قيمة عمرانية وتاريخية، خصوصًا الأشجار التي يقدر عمر بعضها بعشرات أو مئات السنين.

البرلمان يسأل عن الأشجار التي اختفت

بالتوازي مع التوجيهات الحكومية، طُرحت في البرلمان أسئلة حول أسباب إزالة الأشجار في عدد من المناطق، وما إذا كانت الجهات المسؤولة قد أعدت دراسات للأثر البيئي قبل تنفيذ مشروعات الطرق، وما القواعد والتصاريح المنظمة لقطع الأشجار المعمرة، ولماذا لا يجري تعديل تصميم بعض المشروعات للحفاظ على الأشجار القائمة.

وتضمنت المطالب البرلمانية كذلك التساؤل عن استخدام معدات نقل الأشجار بدلًا من قطعها، وعن وجود قاعدة بيانات توضح عدد الأشجار التي أزيلت والمساحات الخضراء التي فُقدت خلال السنوات الخمس الماضية.

ولا تقتصر أهمية قاعدة البيانات المقترحة على معرفة عدد الأشجار التي قطعت، وإنما يمكن أن تكشف، إذا أُعلنت بصورة كاملة، عن الجهات التي طلبت الإزالة، وأسبابها، وما إذا كانت الأشجار قابلة للنقل، وما إذا جرى تعويضها فعلًا ومكان التعويض ونوع الأشجار الجديدة.

أين تذهب الأشجار بعد قطعها؟

وزارة التنمية المحلية تحدثت عن حصر الأشجار التي جرى قطعها وأسباب إزالتها، فيما أشارت تقارير إلى أن الأخشاب الناتجة عن الأشجار التي تزال تدخل في ميزانية الجهة المسؤولة عن الطريق أو الميدان وفق الإجراءات المتبعة، مع التأكيد على أن نقل الأشجار يجب أن يكون الخيار الممكن عندما تسمح حالتها وطبيعة المشروع بذلك.

لكن غياب بيانات منشورة بصورة تفصيلية عن أعداد الأشجار المزالة، وأسباب الإزالة، وما تم نقله منها وما تم استبداله، يترك مساحة لأسئلة لا تجيب عنها أرقام الأشجار المستهدف زراعتها وحدها.

فعدد الأشجار التي ستُزرع مستقبلًا لا يخبر وحده بعدد الأشجار التي أزيلت، كما أن إعلان إنشاء مساحات خضراء جديدة لا يوضح بالضرورة ما إذا كانت هذه المساحات تعوض المناطق التي فقدتها أحياء أخرى.

 

 

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG_3117
شهادة على الرف وشغلانة تانية للمعيشة.. هكذا يعيش معظم شباب مصر
قطع الأشجار
"تخضير القاهرة" أم تصحيرها.. من المسؤول عن مجازر الأشجار؟
أخبار الطقس اليوم
استمرار الارتفاع بدرجات الحرارة.. تفاصيل حالة الطقس اليوم الأربعاء
5fc1c4bc-e462-47c0-8a8a-30997e5a6c76
من الأهرامات إلى عيد الربيع.. مصر تفتح ذراعيها للسائح الصيني

أقرأ أيضًا

ab7c0771-9601-4df8-9399-90d26e55a91b
حمادة إمام يكشف: “حكاية اعتماد حافظ.. الشهيرة باعتماد خورشيد”
مصر
10 عشاءات دبلوماسية وسؤال واحد دون إجابة: ماذا سيحدث بـ مصر في أكتوبر ونوفمبر؟
حسام مؤنس
حسام مؤنس يكتب: حمدين صباحي.. ودعوة لشهادات لا بد منها
55cc521e-bfe4-427d-a77b-ccbae27ccd4c-1 copy
صاحبةُ الجلالة بين ماضٍ مشرق وحاضرٍ كئيب!