في وقت تصطدم فيه الطموحات السياسية بالتعقيدات الميدانية على أرض قطاع غزة، تتصدر “ترتيبات السلاح” طليعة أكثر الملفات حرجاً وإثارة للجدل في كواليس المفاوضات الدولية الراهنة.
وبينما تروج القوى الدولية لأطروحات نزع السلاح كشرط شارط لإنهاء الحرب وبدء عمليات الإعمار، تقف الحقيقة العسكرية على خط فاصل بين ما يُطرح على أوراق التفاوض وبين ما يُنفذ فعلياً في العرف الميداني، حاسمةً الفرق بين “التخلي عن عقيدة المقاومة” وبين “إعادة إدارة القوة” كضرورة تكتيكية للبقاء.
قبول الترتيبات لا يعني التخلي عن العقيدة العسكرية
أكد اللواء عادل العمدة، الخبير العسكري، في حديثه لـ”القصة”، أن القراءة العسكرية الجادة لمقترحات التسوية يجب أن تفرق بين التفاهمات المطروحة على طاولة المفاوضات وبين ما يجري تطبيقه على الأرض لكون البنود الأمنية هي الأكثر تعقيداً عند التنفيذ الميداني.
وأوضح العمدة أنه حتى لو وافقت حركة حماس على ترتيبات تخص سلاحها، فهذا لا يعني بالضرورة تخليها عن عقيدتها العسكرية أو الخيار المسلح، بل يعبر عن تحول تكتيكي في أسلوب إدارة القوة للحفاظ على وجودها السياسي والتنظيمي، مدفوعاً بعوامل ضاغطة:
حجم الدمار والخسائر: الأضرار الهائلة التي لحقت بقطاع غزة وضغط المشهد الإنساني.
المعادلة الإقليمية: تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية المطالبة بوقف إطلاق النار.
ضرورات الإعمار: الرغبة في فتح المعابر وإدخال المساعدات والبدء المباشر في إعادة الإعمار.
الفارق العسكري الجوهري بين “النزع الكامل” و”التخزين”
أشار الخبير العسكري إلى وجود تمييز واستجلاء عسكري دقيق بين مصطلحين يخلط بينهما الكثيرون في الطرح السياسي:
نزع السلاح بالكامل: يعني الإزالة الميدانية الشاملة للأسلحة والذخائر والبنية التحتية، مع فقدان تام للقدرة على القتال المنظم، وهو ما يهدف لإعادة هندسة المشهد الأمني.
حصر أو تخزين السلاح: يعني تقييد استخدام السلاح عبر آليات رقابية وضمانات متفق عليها مع بقائه أجهزة ومعدات، مما يحافظ على قدر من “القدرة الكامنة” للطرف المسلح.
وأضاف العمدة أن إمكانية إعادة بناء القدرات العسكرية تظل واردة إذا احتفظت الحركة بكوادرها العسكرية، وخبراتها الفنية، وشبكات اتصالاتها، أما إذا شمل الاتفاق تفكيك البنية التنظيمية برقابة صارمة فإن عملية البناء تصبح أكثر صعوبة وتستغرق عقوداً.
ألغام المرحلة الانتقالية وشروط الاستقرار الممتد
أوضح اللواء عادل العمدة أن المرحلة الانتقالية تُعد المحطة الأشد حساسية، وتواجه جملة من التحديات الميدانية المركبة:
صعوبة التحقق وبناء الثقة: غياب آليات التحقق الصارمة في ظل سنوات طوال من الصراع الجذري.
الفصائل غير المشمولة: مخاطر وجود مجموعات مسلحة أخرى خارج أطر الاتفاق قد تتسبب في خروقات تجرف التفاهمات للانهيار.
معادلة الأمن والإعمار: تعقيدات إدارة الملف الأمني الداخلي بالقطاع والتوفيق بين متطلبات الإعمار والاشتراطات الأمنية.
واختتم الخبير العسكري حديثه لـ”القصة” مؤكداً أن الترتيبات العسكرية والأمنية وحدها لن تصنع استقراراً طويل الأمد ما لم تُدعم بأفق سياسي معلن وشامل، وتحسين ملموس للأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ومعالجة الجذور الأساسية للصراع لضمان عدم اهتزاز الاتفاقات مجدداً.