يوافق اليوم 10 يونيو من كل عام احتفال الصحفيون المصريون يبومهم، اليوم الذي استطاع فيه جموع الصحفيين توحيد صفوفهم لإسقاط قانون 93 لسنة 1995، الذي عرف حينها بـ “قانون اغتيال الصحافة”.
القانون الذي فرض قيودا واسعة على حرية النشر وهدد المهنة، ليخوض الصحفيين معركة استمرت عاما كاملا حتى تم التراجع عن هذا القانون. وتحولت ذكرى 10 يونيو إلى يوم للصحفي المصري ورمزا للدفاع عن حرية الصحافة.
بعد أكثر من 30 عاما من هذه المعركة يطرح الواقع أسئلة عديدة، حيث شهدت الصحافة المصرية خلال السنوات الأخيرة وقائع متعددة لصحفيين واجهوا الحبس أو الملاحقات القضائية، ارتبطت جميعها بقضايا نشر، ما أثار نقاشا واسعا حول حدود حرية النشر ومدى الحماية التى يوفرها القانون والدستور للصحفيين.
برزت من بين هذه الوقائع قضية أحمد سراج، الذي ألقي القبض عليه في يناير 2025، وجرى التحقيق معه في قضية رقم 7 لسنة 2025 حصر أمن الدولة العليا، بتهم نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة إرهابية. وكان القبض عليه بعد إجراء حوار صحفي مع ندى مغيث زوجة رسام الكاريكاتير أشرف عمر. وظل محبوسا احتياطيا على ذمة القضية حتى صدور قرار بإخلاء سبيله في يونيو 2025.
إضافة إلى قضية رسام الكاريكاتير أشرف عمر التي لاقت اهتماما واسعا، و قبض عليه في يوليو 2024 بتهم نشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والانضمام لجماعة محظورة. وغيرها من القضايا المرتبطة بحرية التعبير والعمل الصحفي خلال السنوات الأخيرة.
وبين انتصار حققه الصحفيون في يوم 10 يونيو التاريخي، وبين النص الدستوري الذي يمنع الحبس في أغلب قضايا النشر، يظل السؤال حاضرا: ماذا تبقى من مكاسب معركة 1995؟
معركة هامة للحرية
اعتبر يحيى قلاش، نقيب الصحفيين سابقا، أن معركة إسقاط قانون 93 لسنة 1995 لم تكن معركة منفصلة أو استثنائية قدر ما كانت حلقة ضمن سلسلة طويلة من معارك الصحفيين دفاعا عن حرية التعبير وحرية الصحافة في مصر.
وأشار قلاش، في تصريحاته لـ”القصة”، إلى أن تاريخ مقاومة القيود التى فرضت على الصحفيين أقدم بكثير من حقبة التسعينات، مستشهدا بواقعة المظاهرة الشعبية التى قادها أحمد حلمي عام 1909 احتجاجا على فرض قيود في قانون المطبوعات، وشارك بها عشرات الآلاف من المواطنين.
ويرى قلاش أن معركة 1995 كانت محطة هامة باعتبارها حالة من وحدة الجماعة الصحفية والتفافها حول هدف واضح، وهو الدفاع عن حرية الصحافة كحق للمجتمع بأكمله، وليست مجرد حق لفئة مهنية بعينها.
رسالة عمومية 1995 حاضرة الآن
وأضاف قلاش أنه رغم التحديات الكبيرة التى تمر بها المهنة حاليا، وتراجع مساحات حرية الصحافة والحريات العامة خلال السنوات الأخيرة، لكن لا تزال تجربة إسقاط قانون 93 حاضرة في الذاكرة النقابية ملهمة للأجيال الجديدة من الصحفيين.
وأكد نقيب الصحفيين السابق أن قيمة المعركة لم تكن في إسقاط القانون فقط، بل في الرسالة التى وصلت بعدها، وهي أن أي محاولة لفرض قيود جديدة على حرية الصحافة لابد أن تأخذ في اعتبارها موقف الرأي العام ورد فعل الجماعة الصحفية، كما ستظل هذه التجربة واحدة من المحطات التى جعلت السلطة تعيد حساباتها كلما فكرت في فرض قيود إضافية على حرية النشر والتعبير.
إعادة النظر في التشريعات المتعلقة بالصحافة
بينما قالت إيمان عوف، رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، إن معركة إسقاط قانون 93 كانت ناجحة بشكل واضح، والدليل تغيير القانون بعد رفض الصحفيين له، ما أعتبر انتصارا عاما في تاريخ المهنة.
وأوضحت عوف أن مقارنة معركة 95 بالمشهد الحالي تحتاج إلى أعادة النظر للتشريعات القائمة، وأشارت إلى أن ملف الحبس الاحتياطي لا يزال ضمن الملفات الأساسية التي تحتاج إلى تدخل تشريعي، مشددة على ضرورة إصدار قانون يمنع الحبس في قضايا النشر بشكل كامل، سواء فيما يتعلق بالكتابة الصحفية أو التعبير عن الرأي وكتابة المقالات بشكل عام.
وأضافت عوف أننا أيضا نحتاج إلى مراجعة عدد من القوانين الأخرى أهمها قانون الإجراءات الجنائية وقانون العقوبات، واعتبرت أن الصحفيين وكتاب الرأي في حاجة إلى “ثورة تشريعية” حقيقية توفر حماية أكبر لحرية التعبير ولحمايتهم من الحبس بسبب النشر.
وقالت عوف أن العقوبات البديلة من الكفالات المالية تشهد مبالغة كبيرة في بعض القضايا، إلى جانب كثرة البلاغات المقدمة ضد الصحفيين مما يخلق ضغوطا مستمرة على العاملين بالمهنة.